إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الحرائق.. الوعي المُجتمعي خط الدفاع الأول

✍️بقلم: منال العابدي

لم تعد الحرائق ـ التي ضربت تونس خلال فصل الصيف ـ مجرد حوادث موسمية عابرة يمكن تجاوزها بمجرد إخماد النيران وإحصاء الخسائر...

 فما شهدته البلاد من حرائق مُتكررة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتواتر فترات الجفاف، يفرض التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها خطرا وطنيا مُتصاعدا، يستوجب الوقاية والاستباق، لا الاكتفاء بالتدخل بعد اندلاع الكارثة.

إذ أن النار التي التهمت الغابات والأراضي الزراعية وطالت عديد التجمعات السكنية أصبحت امتحانا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع معا على الوقاية، وعلى حماية ما تبقى من ثروات طبيعية، وعلى إدراك أن شرارة صغيرة قد تتحول في حالات إلى كارثة يصعب احتواؤها.

تونس التي تعيش منذ سنوات على وقع أزمات اقتصادية واجتماعية ومناخية مُتتالية، ليست في حاجة إلى أزمات جديدة يمكن تفاديها. فكل حريق يلتهم مساحات من الغابات لا يعني فقط خسارة أشجار ونباتات، وإنما يعني أيضا تدمير جزء من الثروة الطبيعية للبلاد، وتهديد التوازن البيئي، والإضرار بمصادر رزق المواطنين، وربما تعريض الأرواح والممتلكات للخطر.

وفي مواجهة هذا الواقع، يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول.

فالمواطن ليس مُجرد مُتلق للتحذيرات أو شاهدا على الحرائق، بل شريك أساسي في منعها. والتعامل المسؤول مع الغابات والمناطق الريفية، وعدم إشعال النار في الظروف الخطرة، وعدم رمي أعقاب السجائر والمواد القابلة للاشتعال، والإبلاغ السريع عن أي دخان أو حريق، كلها سلوكيات بسيطة قد تمنع كارثة كبيرة.

وإضافة الى مجهود المواطن في الوعي، تحتاج الدولة إلى تعزيز منظومة الوقاية، وصيانة المسالك الغابية، وتنظيف المناطق التي يمكن أن تساعد على انتشار النيران، وتوفير وسائل الرصد والإنذار المبكر، ودعم أعوان الغابات والحماية المدنية بالموارد البشرية واللوجستية اللازمة. فالوقاية دائما أقل كلفة من مواجهة الكارثة بعد وقوعها.

ولا يمكن الحديث عن حماية الغابات دون الحديث عن الردع، فالفرق كبير بين حريق ينشب نتيجة حادث عرضي، وبين شخص يتعمد إشعال النار وهو يعلم أن فعلته قد تهدّد حياة الناس وتدمّر الممتلكات وتقضي على ثروة طبيعية تحتاج عقوداً حتى تستعيد عافيتها.

ومن هنا تبرز أهمية ما أعلن عنه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، الذي وجّه إلى إعداد مشروع تعديل لقانون العقوبات يتضمن عقوبة الإعدام بحق من يتعمد إضرام النار في الأملاك الغابية.

وبعيدا عن الجدل الحقوقي والقانوني الذي قد تثيره عقوبة الإعدام، فإن الرسالة التي تحملها هذه الخطوة واضحة: الدولة الجزائرية تريد رفع كلفة الجريمة إلى أقصى مستوى، والتأكيد أن إضرام النار عمدا في الغابات ليس فعلا سطحيا، وإنما جريمة خطيرة تستوجب أقصى درجات الردع.

وهنا يُطرح السؤال التالي: هل العقوبات المطبقة حاليا في تونس كافية لردع من يتعمدون إشعال الحرائق؟ وهل تتم ملاحقة كل من تثبت مسؤوليته؟ وهل تصل التحقيقات إلى نهايتها بما يضمن محاسبة المتورطين؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن تستنسخ تونس النموذج الجزائري أو تتبنى العقوبة ذاتها، وإنما يعني أن ملف الحرائق يحتاج إلى مراجعة جدية لمنظومة الوقاية والمراقبة والتحقيق والعقاب.

فالردع لا يكون فقط بتشديد العقوبات، بل أيضا بضمان تطبيق القانون، وسرعة كشف المتورطين، وعدم السماح بتحول الجرائم البيئية إلى ملفات منسية بعد انتهاء موسم الحرائق.

تونس اليوم بحاجة إلى معادلة واضحة: مواطن واع، ودولة مستعدة، ومؤسسات يقظة، وقانون رادع.

لا يمكن للحماية المدنية أو إدارة الغابات خوض هذه المعركة وحدها، ولا يمكن أن ننتظر اشتعال الغابات حتى نبدأ في التفكير في الوقاية. المعركة الحقيقية تبدأ قبل الشرارة الأولى، من المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المحلي، ومن ثقافة تجعل حماية الغابة مسؤولية جماعية وليست مهمة جهاز واحد.

وفي بلد يعيش أزمات متلاحقة، تصبح حماية الغابات جزءا من حماية الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للبلاد. فكل حريق يمكن منعه هو حياة أو أرض أو مورد رزق جرى إنقاذه.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد: كيف نطفئ الحرائق؟ بل أصبح: كيف نمنعها من الاشتعال أصلاً؟ هذه هي المعركة التي يجب أن تبدأها تونس الآن، قبل أن تتحول كل صيف إلى موعد جديد مع النار والخسائر.

الحرائق.. الوعي المُجتمعي خط الدفاع الأول

✍️بقلم: منال العابدي

لم تعد الحرائق ـ التي ضربت تونس خلال فصل الصيف ـ مجرد حوادث موسمية عابرة يمكن تجاوزها بمجرد إخماد النيران وإحصاء الخسائر...

 فما شهدته البلاد من حرائق مُتكررة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتواتر فترات الجفاف، يفرض التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها خطرا وطنيا مُتصاعدا، يستوجب الوقاية والاستباق، لا الاكتفاء بالتدخل بعد اندلاع الكارثة.

إذ أن النار التي التهمت الغابات والأراضي الزراعية وطالت عديد التجمعات السكنية أصبحت امتحانا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع معا على الوقاية، وعلى حماية ما تبقى من ثروات طبيعية، وعلى إدراك أن شرارة صغيرة قد تتحول في حالات إلى كارثة يصعب احتواؤها.

تونس التي تعيش منذ سنوات على وقع أزمات اقتصادية واجتماعية ومناخية مُتتالية، ليست في حاجة إلى أزمات جديدة يمكن تفاديها. فكل حريق يلتهم مساحات من الغابات لا يعني فقط خسارة أشجار ونباتات، وإنما يعني أيضا تدمير جزء من الثروة الطبيعية للبلاد، وتهديد التوازن البيئي، والإضرار بمصادر رزق المواطنين، وربما تعريض الأرواح والممتلكات للخطر.

وفي مواجهة هذا الواقع، يصبح الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول.

فالمواطن ليس مُجرد مُتلق للتحذيرات أو شاهدا على الحرائق، بل شريك أساسي في منعها. والتعامل المسؤول مع الغابات والمناطق الريفية، وعدم إشعال النار في الظروف الخطرة، وعدم رمي أعقاب السجائر والمواد القابلة للاشتعال، والإبلاغ السريع عن أي دخان أو حريق، كلها سلوكيات بسيطة قد تمنع كارثة كبيرة.

وإضافة الى مجهود المواطن في الوعي، تحتاج الدولة إلى تعزيز منظومة الوقاية، وصيانة المسالك الغابية، وتنظيف المناطق التي يمكن أن تساعد على انتشار النيران، وتوفير وسائل الرصد والإنذار المبكر، ودعم أعوان الغابات والحماية المدنية بالموارد البشرية واللوجستية اللازمة. فالوقاية دائما أقل كلفة من مواجهة الكارثة بعد وقوعها.

ولا يمكن الحديث عن حماية الغابات دون الحديث عن الردع، فالفرق كبير بين حريق ينشب نتيجة حادث عرضي، وبين شخص يتعمد إشعال النار وهو يعلم أن فعلته قد تهدّد حياة الناس وتدمّر الممتلكات وتقضي على ثروة طبيعية تحتاج عقوداً حتى تستعيد عافيتها.

ومن هنا تبرز أهمية ما أعلن عنه الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، الذي وجّه إلى إعداد مشروع تعديل لقانون العقوبات يتضمن عقوبة الإعدام بحق من يتعمد إضرام النار في الأملاك الغابية.

وبعيدا عن الجدل الحقوقي والقانوني الذي قد تثيره عقوبة الإعدام، فإن الرسالة التي تحملها هذه الخطوة واضحة: الدولة الجزائرية تريد رفع كلفة الجريمة إلى أقصى مستوى، والتأكيد أن إضرام النار عمدا في الغابات ليس فعلا سطحيا، وإنما جريمة خطيرة تستوجب أقصى درجات الردع.

وهنا يُطرح السؤال التالي: هل العقوبات المطبقة حاليا في تونس كافية لردع من يتعمدون إشعال الحرائق؟ وهل تتم ملاحقة كل من تثبت مسؤوليته؟ وهل تصل التحقيقات إلى نهايتها بما يضمن محاسبة المتورطين؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن تستنسخ تونس النموذج الجزائري أو تتبنى العقوبة ذاتها، وإنما يعني أن ملف الحرائق يحتاج إلى مراجعة جدية لمنظومة الوقاية والمراقبة والتحقيق والعقاب.

فالردع لا يكون فقط بتشديد العقوبات، بل أيضا بضمان تطبيق القانون، وسرعة كشف المتورطين، وعدم السماح بتحول الجرائم البيئية إلى ملفات منسية بعد انتهاء موسم الحرائق.

تونس اليوم بحاجة إلى معادلة واضحة: مواطن واع، ودولة مستعدة، ومؤسسات يقظة، وقانون رادع.

لا يمكن للحماية المدنية أو إدارة الغابات خوض هذه المعركة وحدها، ولا يمكن أن ننتظر اشتعال الغابات حتى نبدأ في التفكير في الوقاية. المعركة الحقيقية تبدأ قبل الشرارة الأولى، من المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المحلي، ومن ثقافة تجعل حماية الغابة مسؤولية جماعية وليست مهمة جهاز واحد.

وفي بلد يعيش أزمات متلاحقة، تصبح حماية الغابات جزءا من حماية الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للبلاد. فكل حريق يمكن منعه هو حياة أو أرض أو مورد رزق جرى إنقاذه.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد: كيف نطفئ الحرائق؟ بل أصبح: كيف نمنعها من الاشتعال أصلاً؟ هذه هي المعركة التي يجب أن تبدأها تونس الآن، قبل أن تتحول كل صيف إلى موعد جديد مع النار والخسائر.