من المؤكد أنّ جلّ المتابعين للشأن العام الوطني لاحظ تواترا غير عادي خلال الفترة الأخيرة لصدور بلاغات لأجهزة أمنية مُختلفة تعلن فيها عن نجاحها في تفكيك شبكات إجرامية تنشط في مجال تهريب وترويج المخدرات بكافة أنواعها سواء بغرض ترويجها على نطاق واسع في مختلف جهات الجمهورية او نقل جزء منها لبلدان مجاورة..
الملفت للانتباه في حجم المحجزوات ونوعيتها منها كميات مهولة من المخدرات بأنواعها المختلفة..
الخطير في المسألة أن امران مهمان مستجدان بصدد الحدوث انطلاقا من هذه الحرب المستمرة في الواقع منذ عقود لمكافحة تجار المخدرات ولن تتوقف أبدا، اولهما أن تعدد عمليات الكشف عن عصابات تتاجر في السموم بمناطق مختلفة أمر يبعث على الفخر لهذه النجاحات التي يجب دعمها وتشجيعها ومباركتها مع الإطمئنان نسبيا لوجود درجة عالية من الاستفاقة والاستباق الأمني المطلوب في مثل هذه الحالات، وهي تعكس في النهاية وجود تنسيق محكم بين مختلف الوحدات الأمنية والهياكل المعنية المتداخلة، وتعاطي جدي رفيع يرقى إلى درجة اليقظة الأمنية العالية..
أما الأمر الثاني، فهو يدعو الى الريبة والقلق على اعتبار أن ارتفاع وتيرة الكشف عن عصابات التهريب في وقت وجيز وفي مناطق مختلفة من البلاد ولا تقتصر على المعابر الحدودية، يُبرز حجم النشاط الاجرامي الذي تقوم به تلك العصابات المرتبطة بالضرورة بشبكات دولية عابرة للحدود التي قد تتقاطع في بعض الأحيان مع جهات أجنبية نافذة ماليا ولوجستيا لا ترجو الخير لتونس ومن غير المستبعد أن تكون مسنودة من قوى سياسية واقتصادية لها مآرب خبيثة تريد تحقيقها محليا واقليميا.
ثم إن الإرتفاع المريب في أنشطة التهريب والكميات المهولة من المخدرات المحجوزة ونوعيتها الخطيرة وعالية الجودة والكلفة مثل الكوكايين والهيروين والحبوب المخدرة.. فضلا عن الأموال المحجوزة ووسائل النقل التي تعتمدها والأغراض الثمينة والفاخرة التي يتحوزون عليها من سيارات ويخوت واثاث وعقارات ومنقولات وغيرها.. كلها تؤكد أن ما خفي أعظم وأن المسألة أعمق من ان نختصرها في ما يظهر من نجاحات أمنية على أهميتها القصوى.. بل يجب النظر والتركيز في ما وراء هذه الظاهرة واهدافها الجهنمية التي لا تقف عند نشر السموم وترويجها لدى الناشئة والوسط التلمذي، بل تمتد إلى ماهو أعمق واسوا وهو ضرب أسس المجتمع وقيمه وتماكسه والأمن القومي ونشر كافة انواع الجريمة واشدها فتكا بالمجتمع..
لا شك ان خلف العمل الميداني الأمني هناك خطط ومراقبة مستمرة لصيقة وتتبع استعلاماتي دقيق لاخطبوط العصابات العابرة للحدود ومن يعمل معهم في داخل تونس من الخلايا والشبكات الاجرامية.. لكن الأهم هو في استمرار هذه اليقظة وتطوير العمل الاستباقي والكشف عن اكثر ما يمكن من الخلايا والشبكات وفضح أهدافها الحقيقية ومخاطرها على الأمن القومي وعلى مستقبل الناشئة التونسية بشكل عام..
رفيق بن عبد الله
