إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

السقف السنوي لمضموني "الكنام".. بين التطلعات والواقع المالي

تتوالى دعوات المواطنات والمواطنين للترفيع في سقف مبالغ الخدمات الصحية التي يتكفل بها الصندوق الوطني للتأمين على المرض سنويا، سواء عبر المنظومة العلاجية الخاصة أو نظام استرجاع المصاريف، بما يتناسب مع الزيادة "المُشطة لكلفة الصحة على المواطن"، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية.

ورغم اختلاف ظروفهم الاجتماعية، يُجمع المواطنون على أنهم يؤدون واجباتهم تجاه الصندوق ويدفعون فاتورة التمتع بالخدمات المُقدمة من قبل "الكنام"، ما يوجب على الأخير الالتزام الكامل بواجباته تجاههم.

ويبلغ عدد المنخرطين في منظومات الصندوق نحو 3.7 ملايين شخص، حيث تستحوذ المنظومة العمومية على النصيب الأكبر بحوالي 59 %، تليها منظومة استرجاع المصاريف بنسبة 22%، بينما لا يتجاوز الإقبال على منظومة "طبيب العائلة" 18 %، على الرغم من انخفاض مساهمة المواطن فيها، وهو ما يعكس أزمة ثقة بين الصندوق ومُسدي الخدمات.

ومنذ غرة فيفري 2024، استفاد جميع المنخرطين من قرار الترفيع في السقف السنوي لمبالغ الخدمات الصحية، لتتراوح بين 450 دينارا و1350 دينارا حسب عدد الأشخاص في الكفالة. 

وسبق ذلك تحيين سنة 2021، بالتوازي مع الترفيع في التعريفات التعاقدية لمقدمي الخدمات الصحية بالقطاع الخاص، والتي كانت سارية منذ 2019.

غير أن الترفيع في السقف السنوي لسنة 2024 لحقه قرار من المجلس الوطني لعمادة الأطباء بالزيادة في تعريفة أطباء القطاع الخاص منذ غرة جانفي 2025، ما جعل المضمون الاجتماعي لا يشعر بحجم الزيادة الفعلية.

وتبقى التعريفات التعاقدية مُلزمة على مُسدي الخدمات المُتعاقدين مع "الكنام"، ومُحددة في إطار الاتفاقيات القطاعية.

ورغم تنوع آليات العلاج في منظومة التأمين على المرض، إلا أن الصندوق يعاني أزمة سيولة مُتكررة، تسببت في إشكاليات عديدة بينه وبين مُسدي الخدمات بالقطاع الخاص. ومن المفارقات أن "الكنام" حقق فائضا ناهز 900 مليون دينار في فترة ما، لكنه يعاني فعليا شُحّا في السيولة، بسبب عدم تحويل المساهمات المُستحقة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، نتيجة عجز هيكلي في علاقة بالجرايات.. وهو ما ألقى بظلال أزمة هذه الصناديق على منظومة التأمين على المرض، رغم التزامها القانوني بتحويل المساهمات المُتعلقة بـ"الكنام".

وبالتالي، فإن وضعية "الكنام" مرتبطة ارتباطا وثيقا بوضعية الصناديق الاجتماعية، إذ قد تتفاقم الأزمة وهو ما يُهدّد استمرارية الخدمات ويحول دون وفاء الصندوق بالتزاماته، ويُثير مخاوف بشأن قدرة المضمونين على النفاذ إلى العلاج والدواء.

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل حصيلة سنوات تقصير في إدماج النشاط الاقتصادي غير المنظم، ومقاومة التهرب الاجتماعي، وفق ما يراه خبراء، إضافة إلى الاتجاه المتزايد نحو التهرّم في المجتمع التونسي، ما حال دون تحصيل المساهمات المُستحقة وتعزيز استدامة الصناديق المالية.

ويُظهر تعداد سنة 2024 أن كبار السن (60 سنة فأكثر) يمثلون 16.9 % من إجمالي السكان، مع مؤشر شيخوخة 73.9%، فيما لم تتجاوز نسبة التغطية بالضمان الاجتماعي 42 %، مقابل 76 % نسبة التغطية الصحية، بينما يشكل التقاعد 76.06% من مصادر دخل كبار السن.

وخلال لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 2 مارس 2026، كلا من سارّة الزعفراني الزنزري، رئيسة الحكومة، وعصام الأحمر، وزير الشؤون الاجتماعية، تم التطرق إلى الوضع الذي آلت إليه الصناديق الاجتماعية، مع التأكيد على أن "الوضع لم يعد مقبولا، والواجب الوطني يقتضي الانطلاق في إصلاحات هيكلية شاملة ومراجعة المنظومة كلها مع استشراف علمي للمستقبل يقوم على اختيارات واضحة قوامها العدل والإنصاف".

إن مفهوم العدالة الاجتماعية رهين ضمان ديمومة الصناديق الاجتماعية، ما يستلزم إصلاحات وقرارات جريئة وسريعة لإنقاذ "الكنام". ولا يتعلق الأمر فقط بالجانب التقني مثل إعداد بطاقات "لاباس" أو آجال الخلاص، بل يشمل إصلاحا جذريا وهيكليا، وتنويع مصادر التمويل، والقطع مع الحلول الترقيعية، بحيث لا تكون مجرد "جرعة أكسجين"، على أمل استعادة التوازن المالي، ضمان استدامة الخدمات الصحية والاجتماعية، وربما تحيين السقف السنوي لاحقا.

عبير الطرابلسي

السقف السنوي لمضموني "الكنام".. بين التطلعات والواقع المالي

تتوالى دعوات المواطنات والمواطنين للترفيع في سقف مبالغ الخدمات الصحية التي يتكفل بها الصندوق الوطني للتأمين على المرض سنويا، سواء عبر المنظومة العلاجية الخاصة أو نظام استرجاع المصاريف، بما يتناسب مع الزيادة "المُشطة لكلفة الصحة على المواطن"، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية.

ورغم اختلاف ظروفهم الاجتماعية، يُجمع المواطنون على أنهم يؤدون واجباتهم تجاه الصندوق ويدفعون فاتورة التمتع بالخدمات المُقدمة من قبل "الكنام"، ما يوجب على الأخير الالتزام الكامل بواجباته تجاههم.

ويبلغ عدد المنخرطين في منظومات الصندوق نحو 3.7 ملايين شخص، حيث تستحوذ المنظومة العمومية على النصيب الأكبر بحوالي 59 %، تليها منظومة استرجاع المصاريف بنسبة 22%، بينما لا يتجاوز الإقبال على منظومة "طبيب العائلة" 18 %، على الرغم من انخفاض مساهمة المواطن فيها، وهو ما يعكس أزمة ثقة بين الصندوق ومُسدي الخدمات.

ومنذ غرة فيفري 2024، استفاد جميع المنخرطين من قرار الترفيع في السقف السنوي لمبالغ الخدمات الصحية، لتتراوح بين 450 دينارا و1350 دينارا حسب عدد الأشخاص في الكفالة. 

وسبق ذلك تحيين سنة 2021، بالتوازي مع الترفيع في التعريفات التعاقدية لمقدمي الخدمات الصحية بالقطاع الخاص، والتي كانت سارية منذ 2019.

غير أن الترفيع في السقف السنوي لسنة 2024 لحقه قرار من المجلس الوطني لعمادة الأطباء بالزيادة في تعريفة أطباء القطاع الخاص منذ غرة جانفي 2025، ما جعل المضمون الاجتماعي لا يشعر بحجم الزيادة الفعلية.

وتبقى التعريفات التعاقدية مُلزمة على مُسدي الخدمات المُتعاقدين مع "الكنام"، ومُحددة في إطار الاتفاقيات القطاعية.

ورغم تنوع آليات العلاج في منظومة التأمين على المرض، إلا أن الصندوق يعاني أزمة سيولة مُتكررة، تسببت في إشكاليات عديدة بينه وبين مُسدي الخدمات بالقطاع الخاص. ومن المفارقات أن "الكنام" حقق فائضا ناهز 900 مليون دينار في فترة ما، لكنه يعاني فعليا شُحّا في السيولة، بسبب عدم تحويل المساهمات المُستحقة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، نتيجة عجز هيكلي في علاقة بالجرايات.. وهو ما ألقى بظلال أزمة هذه الصناديق على منظومة التأمين على المرض، رغم التزامها القانوني بتحويل المساهمات المُتعلقة بـ"الكنام".

وبالتالي، فإن وضعية "الكنام" مرتبطة ارتباطا وثيقا بوضعية الصناديق الاجتماعية، إذ قد تتفاقم الأزمة وهو ما يُهدّد استمرارية الخدمات ويحول دون وفاء الصندوق بالتزاماته، ويُثير مخاوف بشأن قدرة المضمونين على النفاذ إلى العلاج والدواء.

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل حصيلة سنوات تقصير في إدماج النشاط الاقتصادي غير المنظم، ومقاومة التهرب الاجتماعي، وفق ما يراه خبراء، إضافة إلى الاتجاه المتزايد نحو التهرّم في المجتمع التونسي، ما حال دون تحصيل المساهمات المُستحقة وتعزيز استدامة الصناديق المالية.

ويُظهر تعداد سنة 2024 أن كبار السن (60 سنة فأكثر) يمثلون 16.9 % من إجمالي السكان، مع مؤشر شيخوخة 73.9%، فيما لم تتجاوز نسبة التغطية بالضمان الاجتماعي 42 %، مقابل 76 % نسبة التغطية الصحية، بينما يشكل التقاعد 76.06% من مصادر دخل كبار السن.

وخلال لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 2 مارس 2026، كلا من سارّة الزعفراني الزنزري، رئيسة الحكومة، وعصام الأحمر، وزير الشؤون الاجتماعية، تم التطرق إلى الوضع الذي آلت إليه الصناديق الاجتماعية، مع التأكيد على أن "الوضع لم يعد مقبولا، والواجب الوطني يقتضي الانطلاق في إصلاحات هيكلية شاملة ومراجعة المنظومة كلها مع استشراف علمي للمستقبل يقوم على اختيارات واضحة قوامها العدل والإنصاف".

إن مفهوم العدالة الاجتماعية رهين ضمان ديمومة الصناديق الاجتماعية، ما يستلزم إصلاحات وقرارات جريئة وسريعة لإنقاذ "الكنام". ولا يتعلق الأمر فقط بالجانب التقني مثل إعداد بطاقات "لاباس" أو آجال الخلاص، بل يشمل إصلاحا جذريا وهيكليا، وتنويع مصادر التمويل، والقطع مع الحلول الترقيعية، بحيث لا تكون مجرد "جرعة أكسجين"، على أمل استعادة التوازن المالي، ضمان استدامة الخدمات الصحية والاجتماعية، وربما تحيين السقف السنوي لاحقا.

عبير الطرابلسي