مع كلّ فترة تجنيد يعود الموضوع إلى الواجهة، لا لكونه إجراء إداريا فحسب، بل باعتباره سؤالا وجوديا يتعلّق بعلاقة الفرد بالدولة، والحرية بالواجب، والذات بالمجموعة الوطنية.. فيُناقَش الموضوع داخل البيوت، وبالمقاهي، وبين الأصدقاء، لكونه يمسّ لحظة انتقال رمزية في حياة الشاب التونسي، من طور الاكتفاء بالحقوق إلى طور تحمّل المسؤوليات. فلا يكاد يخلو بيت تونسي من حديث عن ابن بلغ سنّ العشرين، ووجد نفسه أمام استحقاق ألا وهو "الخدمة الوطنية". هنا تتباين المواقف بين من يرى في التجنيد واجبًا وطنيًا لا مفرّ منه، وإن حاول البحث عن حلول أو أسباب لتأجيلات تتماشى وما يفرضه القانون، وبين من يرفضه مُتذرّعًا بأنّه "عام خسارة من العمر". في خضم كلّ هذا يبقى السؤال الأعمق: هل يُقاس العمر بما يُنجَز فيه من مصالح فردية فقط، أم بما يُبنى فيه من معنى مشترك؟، أليس في التضحية بسنة من الحياة مساهمة في الصالح العامّ الذي يضمن لنا جميعا فرص العيش والعمل والحلم و النجاح أيضا. إنّ وعي المواطن لا يُختزل في الخضوع للعقوبات الجزائية وفقا للفصل 66 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية المتعلّق بجريمة التخلّف عن الجندية، بل يتأسّس على إدراك أنّ الدولة ليست كيانًا غريبًا عنه، وإنما الإطار الذي تتجسّد فيه إرادته المواطنية. فالواجب، في جوهره، ليس نقيض الحرية، بل شرطها؛ فلا معنى لحرية فردية في مجتمع يفتقر إلى الحس بالمسؤولية الوطنية والتكافل. لقد شهدت تونس في مراحل مختلفة "آليات مُتعددة" في التعاطي مع التجنيد، من الحملات الأمنية المعروفة بـ"الرافل" التي شهدت أوجهها في سنوات التسعينات من الألفية السابقة، وعكست مُقاربة أمنية في التعاطي مع واجب وطني مُقدس، إلى حين صدور القانون عدد 1 المؤرخ في 14 جانفي 2004 الذي نظّم المسألة ضمن إطار قانوني واضح، فنصّ في فصله الثاني على "وجوب الخدمة الوطنية على كلّ مواطن بلغ العشرين، إلى حين الخامسة والثلاثين"، ولمدة سنة واحدة بإحدى وحدات الجيش الوطني.. وهنا يتحوّل الواجب من مجرّد التزام أخلاقي إلى تعاقد قانوني بين المواطن والدولة. كما عاشت البلاد في فترة ما على وقع التعيينات الفردية قبل التخلي عن هذه الآلية منذ سنة 2015 لسببين؛ الأول لارتفاع القضايا المحالة في الغرض ضد المواطنين المعنيين الذين لم يستكملوا دفع المساهمات المالية بعنوان التعيينات الفردية وثانيا لما رآه البعض مسًا من حق المساواة بين المواطنين. لكن لا تشكيك في روح المواطنة، فما عاشته البلاد زمن الازمات يؤكد الخوف على البلاد والهبة الجماعية وروح التكافل والتعاون، من ذلك في فترة أحداث الثورة، وفي ما بعد خلال جائحة كورونا، ليُكشف وجهًا آخر: وجه المبادرة الطوعية والواعز الوطني والحسّ بالمسؤولية. فقد تقدّم آلاف الشباب، آنذاك، تلقائيا لأداء الخدمة الوطنية، مدفوعين بشعور جماعي بأنّ الوطن بحاجة الى الجميع. في تلك اللحظات، لم يكن التجنيد "عام خسارة"، بل كان آلية انتماء، وتأكيدا على أنّ المواطنة ليست امتيازا يُطالب به بل مسؤولية تُحمَل. وفي انتظار استكمال صياغة مشروع قانون جديد قد يُدخِل تعديلات على منظومة التجنيد وكذلك في علاقة بالمنحة المُسندة للمُجنّدين لمزيد التحفيز، يبقى السؤال قائمًا، كيف يمكن أن نعيد التفكير في الخدمة العسكرية لا كقيد، بل كمرحلة تكوين اجتماعي، مدني، ومهني؟ فالمؤسسة العسكرية، بما تحظى به من احترام وثقة في وجدان المواطن التونسي، ليست فضاء للانضباط فحسب، بل مدرسة للقيم، الانضباط، النظام، والتعاون، وتحمّل المسؤولية، وتغليب المصلحة العامة على النزعة الفردية. إنّ الشاب الذي يبلغ العشرين مدعوّ، قانونيا وأخلاقيا، إلى تسوية وضعيته: أداء أو تأجيلا أو إعفاء، كلٌّ حسب حالته ووفق ما ينصّ عليه القانون. إنّ هذه المبادرة الطوعية ليست مجرّد "إجراء إداري"، بل تمرين على المواطنة الواعية. فكما يتوجّه وجوبا الشاب لاستخراج بطاقة تعريفه الوطنية عند بلوغه سنّ الثامنة عشرة، يجب أن يرى في سنّ العشرين لحظة ترسيخ لهذا الانتماء عبر أداء الواجب أو تسوية وضعيته إزاء الواجب الوطنية المُقدّسة. ان الحياة ليست مسارا فرديا، بل مسار التزامات جماعية مُتبادلة ومثلما نكرّس سنوات لمسيرتنا الدراسية أو المهنية، يمكن أن تكون سنة التجنيد محطة لاختبار الذات في علاقتها بالوطن لأنّ الوطن ليس مجرّد شعارات تردَّد بل مسؤولية تُمارَس ومعنى يُبنى على جملة من المبادئ المواطنية. وهكذا، يغدو التجنيد، عندما يُفهم في أفق أوسع، ليس "عام خسارة"، بل سنة اختبار، اختبارا لمدى قدرتنا على أن نكون مواطنين لا أفرادا فقط، وشركاء في المصير لا مُستهلكين للحقوق فحسب.
عبير الطرابلسي
مع كلّ فترة تجنيد يعود الموضوع إلى الواجهة، لا لكونه إجراء إداريا فحسب، بل باعتباره سؤالا وجوديا يتعلّق بعلاقة الفرد بالدولة، والحرية بالواجب، والذات بالمجموعة الوطنية.. فيُناقَش الموضوع داخل البيوت، وبالمقاهي، وبين الأصدقاء، لكونه يمسّ لحظة انتقال رمزية في حياة الشاب التونسي، من طور الاكتفاء بالحقوق إلى طور تحمّل المسؤوليات. فلا يكاد يخلو بيت تونسي من حديث عن ابن بلغ سنّ العشرين، ووجد نفسه أمام استحقاق ألا وهو "الخدمة الوطنية". هنا تتباين المواقف بين من يرى في التجنيد واجبًا وطنيًا لا مفرّ منه، وإن حاول البحث عن حلول أو أسباب لتأجيلات تتماشى وما يفرضه القانون، وبين من يرفضه مُتذرّعًا بأنّه "عام خسارة من العمر". في خضم كلّ هذا يبقى السؤال الأعمق: هل يُقاس العمر بما يُنجَز فيه من مصالح فردية فقط، أم بما يُبنى فيه من معنى مشترك؟، أليس في التضحية بسنة من الحياة مساهمة في الصالح العامّ الذي يضمن لنا جميعا فرص العيش والعمل والحلم و النجاح أيضا. إنّ وعي المواطن لا يُختزل في الخضوع للعقوبات الجزائية وفقا للفصل 66 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية المتعلّق بجريمة التخلّف عن الجندية، بل يتأسّس على إدراك أنّ الدولة ليست كيانًا غريبًا عنه، وإنما الإطار الذي تتجسّد فيه إرادته المواطنية. فالواجب، في جوهره، ليس نقيض الحرية، بل شرطها؛ فلا معنى لحرية فردية في مجتمع يفتقر إلى الحس بالمسؤولية الوطنية والتكافل. لقد شهدت تونس في مراحل مختلفة "آليات مُتعددة" في التعاطي مع التجنيد، من الحملات الأمنية المعروفة بـ"الرافل" التي شهدت أوجهها في سنوات التسعينات من الألفية السابقة، وعكست مُقاربة أمنية في التعاطي مع واجب وطني مُقدس، إلى حين صدور القانون عدد 1 المؤرخ في 14 جانفي 2004 الذي نظّم المسألة ضمن إطار قانوني واضح، فنصّ في فصله الثاني على "وجوب الخدمة الوطنية على كلّ مواطن بلغ العشرين، إلى حين الخامسة والثلاثين"، ولمدة سنة واحدة بإحدى وحدات الجيش الوطني.. وهنا يتحوّل الواجب من مجرّد التزام أخلاقي إلى تعاقد قانوني بين المواطن والدولة. كما عاشت البلاد في فترة ما على وقع التعيينات الفردية قبل التخلي عن هذه الآلية منذ سنة 2015 لسببين؛ الأول لارتفاع القضايا المحالة في الغرض ضد المواطنين المعنيين الذين لم يستكملوا دفع المساهمات المالية بعنوان التعيينات الفردية وثانيا لما رآه البعض مسًا من حق المساواة بين المواطنين. لكن لا تشكيك في روح المواطنة، فما عاشته البلاد زمن الازمات يؤكد الخوف على البلاد والهبة الجماعية وروح التكافل والتعاون، من ذلك في فترة أحداث الثورة، وفي ما بعد خلال جائحة كورونا، ليُكشف وجهًا آخر: وجه المبادرة الطوعية والواعز الوطني والحسّ بالمسؤولية. فقد تقدّم آلاف الشباب، آنذاك، تلقائيا لأداء الخدمة الوطنية، مدفوعين بشعور جماعي بأنّ الوطن بحاجة الى الجميع. في تلك اللحظات، لم يكن التجنيد "عام خسارة"، بل كان آلية انتماء، وتأكيدا على أنّ المواطنة ليست امتيازا يُطالب به بل مسؤولية تُحمَل. وفي انتظار استكمال صياغة مشروع قانون جديد قد يُدخِل تعديلات على منظومة التجنيد وكذلك في علاقة بالمنحة المُسندة للمُجنّدين لمزيد التحفيز، يبقى السؤال قائمًا، كيف يمكن أن نعيد التفكير في الخدمة العسكرية لا كقيد، بل كمرحلة تكوين اجتماعي، مدني، ومهني؟ فالمؤسسة العسكرية، بما تحظى به من احترام وثقة في وجدان المواطن التونسي، ليست فضاء للانضباط فحسب، بل مدرسة للقيم، الانضباط، النظام، والتعاون، وتحمّل المسؤولية، وتغليب المصلحة العامة على النزعة الفردية. إنّ الشاب الذي يبلغ العشرين مدعوّ، قانونيا وأخلاقيا، إلى تسوية وضعيته: أداء أو تأجيلا أو إعفاء، كلٌّ حسب حالته ووفق ما ينصّ عليه القانون. إنّ هذه المبادرة الطوعية ليست مجرّد "إجراء إداري"، بل تمرين على المواطنة الواعية. فكما يتوجّه وجوبا الشاب لاستخراج بطاقة تعريفه الوطنية عند بلوغه سنّ الثامنة عشرة، يجب أن يرى في سنّ العشرين لحظة ترسيخ لهذا الانتماء عبر أداء الواجب أو تسوية وضعيته إزاء الواجب الوطنية المُقدّسة. ان الحياة ليست مسارا فرديا، بل مسار التزامات جماعية مُتبادلة ومثلما نكرّس سنوات لمسيرتنا الدراسية أو المهنية، يمكن أن تكون سنة التجنيد محطة لاختبار الذات في علاقتها بالوطن لأنّ الوطن ليس مجرّد شعارات تردَّد بل مسؤولية تُمارَس ومعنى يُبنى على جملة من المبادئ المواطنية. وهكذا، يغدو التجنيد، عندما يُفهم في أفق أوسع، ليس "عام خسارة"، بل سنة اختبار، اختبارا لمدى قدرتنا على أن نكون مواطنين لا أفرادا فقط، وشركاء في المصير لا مُستهلكين للحقوق فحسب.