منذ سنوات طويلة، تشهد تونس نزيفاً متواصلاً في هجرة كفاءاتها نحو الخارج.. آلاف الأطباء والمهندسين والباحثين الجامعيين يختارون سنوياً مغادرة البلاد، بحثاً عن ظروف عمل أفضل، أو رغبة في تطوير مهاراتهم العلمية، أو سعياً وراء حياة أكثر استقراراً وأماناً. هذه الظاهرة لم تعد مجرد خيار فردي، بل تحولت إلى معضلة وطنية تهدد مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تونس.
تجمع الدراسات التي تناولت هذا الملف على أن الأسباب متعددة: من ضعف الإمكانيات المادية، إلى محدودية فرص البحث والابتكار، مروراً بغياب سياسات جاذبة تحفّز الكفاءات على البقاء. وفي المقابل، تقدم الدول الأوروبية والخليجية عروضاً مغرية، برواتب مرتفعة، ومناخ عمل محفّز، وتشريعات داعمة للبحث العلمي، ما يجعل قرار الهجرة بالنسبة للكفاءات التونسية أقرب إلى حتمية منه إلى خيار. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن لتونس أن توقف هذا النزيف؟ الجواب ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. صحيح أن بلادنا لا تملك ثروات طبيعية ضخمة، وبالتالي فهي لا يمكنها أن يراهن إلا على رأس مالها البشري، فالكفاءات هي الثروة الحقيقية، وهي القاطرة التي يمكن أن تدفع بالاقتصاد نحو النمو، وأن تضع البلاد على سكة الابتكار والتنمية المستدامة.
الحلول المطروحة عديدة، لكن جوهرها واحد: خلق مناخ عمل ملائم وجاذب، يشمل إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية، تطوير الاقتصاد الرقمي، تشجيع البحث العلمي، وإقرار تحفيزات مالية وتشريعية تضمن بقاء الكفاءات أو عودتها. كما أن إشراك هذه الطاقات في صياغة السياسات الوطنية سيمنحها شعوراً بالانتماء والمشاركة الفعلية في بناء تونس الغد.
إن إعادة فتح ملف هجرة الكفاءات لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ملحّة. فكل طبيب يغادر، وكل مهندس يهاجر، هو خسارة مضاعفة: خسارة استثمار الدولة في تكوينه، وخسارة فرصة لتطوير البلاد. لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو على الإنسان، على عقله وإبداعه، وعلى قدرته في تحويل التحديات إلى فرص، وحدها الكفاءات قادرة على رسم ملامح تونس المستقبل، إذا ما توفرت لها الأرضية المناسبة للبقاء والعطاء..
رفيق بن عبد الله
منذ سنوات طويلة، تشهد تونس نزيفاً متواصلاً في هجرة كفاءاتها نحو الخارج.. آلاف الأطباء والمهندسين والباحثين الجامعيين يختارون سنوياً مغادرة البلاد، بحثاً عن ظروف عمل أفضل، أو رغبة في تطوير مهاراتهم العلمية، أو سعياً وراء حياة أكثر استقراراً وأماناً. هذه الظاهرة لم تعد مجرد خيار فردي، بل تحولت إلى معضلة وطنية تهدد مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تونس.
تجمع الدراسات التي تناولت هذا الملف على أن الأسباب متعددة: من ضعف الإمكانيات المادية، إلى محدودية فرص البحث والابتكار، مروراً بغياب سياسات جاذبة تحفّز الكفاءات على البقاء. وفي المقابل، تقدم الدول الأوروبية والخليجية عروضاً مغرية، برواتب مرتفعة، ومناخ عمل محفّز، وتشريعات داعمة للبحث العلمي، ما يجعل قرار الهجرة بالنسبة للكفاءات التونسية أقرب إلى حتمية منه إلى خيار. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن لتونس أن توقف هذا النزيف؟ الجواب ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. صحيح أن بلادنا لا تملك ثروات طبيعية ضخمة، وبالتالي فهي لا يمكنها أن يراهن إلا على رأس مالها البشري، فالكفاءات هي الثروة الحقيقية، وهي القاطرة التي يمكن أن تدفع بالاقتصاد نحو النمو، وأن تضع البلاد على سكة الابتكار والتنمية المستدامة.
الحلول المطروحة عديدة، لكن جوهرها واحد: خلق مناخ عمل ملائم وجاذب، يشمل إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية، تطوير الاقتصاد الرقمي، تشجيع البحث العلمي، وإقرار تحفيزات مالية وتشريعية تضمن بقاء الكفاءات أو عودتها. كما أن إشراك هذه الطاقات في صياغة السياسات الوطنية سيمنحها شعوراً بالانتماء والمشاركة الفعلية في بناء تونس الغد.
إن إعادة فتح ملف هجرة الكفاءات لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ملحّة. فكل طبيب يغادر، وكل مهندس يهاجر، هو خسارة مضاعفة: خسارة استثمار الدولة في تكوينه، وخسارة فرصة لتطوير البلاد. لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو على الإنسان، على عقله وإبداعه، وعلى قدرته في تحويل التحديات إلى فرص، وحدها الكفاءات قادرة على رسم ملامح تونس المستقبل، إذا ما توفرت لها الأرضية المناسبة للبقاء والعطاء..