إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أي عالم بعد فوز الديمقراطيين في أمريكا؟

 

*الانتصار الديمقراطي يعيد خلط الأوراق الدولية.. من الحرب على إيران وأوكرانيا إلى التنافس التجاري والتكنولوجي مع الصين 
 
بدأت ارتدادات الزلزال الانتخابي الذي شهدته الولايات المتحدة تصل سريعا إلى العواصم الدولية، حيث أخذت القوى الكبرى والحلفاء والخصوم إعادة تقييم حساباتها على ضوء التحول في موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي. 
وتفتح استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ على مرحلة جديدة من عدم اليقين بشأن اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية، وقدرة الإدارة على مواصلة تنفيذ أجندتها الدولية دون قيود تشريعية ورقابية متزايدة. 
وتأتي هذه التحولات في سياق دولي شديد الحساسية، تتداخل فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع تداعياتها على أسواق الطاقة، وتتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يحتدم التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين واشنطن وبكين. ومن ثم، فإن نتائج الانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة انقلابا في الاستراتيجية الأمريكية، لكنها تعيد رسم حدود الحركة المتاحة للرئيس، وتمنح شركاء الولايات المتحدة وخصومها هامشا جديدا للمناورة. 
إيران وتل أبيب.. حسابات الحرب والسلام 
ويبدو الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرا بالتحول الانتخابي الأمريكي، خصوصا في ظل الحرب المستمرة مع إيران منذ ثمانية أشهر، وما خلفته من اضطرابات في إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة. فقد أظهرت النتائج أن الحرب أصبحت عبئا انتخابيا على الجمهوريين، وهو ما قد يدفع ترامب إلى البحث عن مخرج دبلوماسي يتيح له إنهاء المواجهة وتسويق اتفاق باعتباره إنجازا سياسيا. 
وتشير تقديرات خليجية إلى أن خسارة الجمهوريين قد تزيد دوافع الرئيس الأمريكي للتوصل إلى تسوية، وتقلص احتمالات شن هجوم عسكري واسع جديد على إيران. 
غير أن هذه المعادلة تحمل وجها آخر، إذ قد تقرأ طهران النتيجة باعتبارها مؤشرا على تراجع هامش المناورة لدى ترامب، بما يشجعها على التشدد في المفاوضات أو رفع سقف مطالبها. وقد تعتبر نتائج الانتخابات علامة ضعف أمريكية مما قد يدفع إلى تصعيد عسكري جديد بدلا من تسهيل التسوية. 
أما الكيان الصهيوني، فقد تجد نفسه أمام مرحلة أكثر تعقيدا في علاقتها بواشنطن، إذ يمكن للسيطرة الديمقراطية على الكونغرس أن توسع نطاق الرقابة على العمليات العسكرية الإسرائيلية على إيران وغزة ولبنان، وتعيد النقاش بشأن المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة. ولا يعني ذلك انهيار التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، لكنه قد يضع حدا لجزء من الحصانة السياسية التي استفادت منها حكومة بنيامين نتنياهو خلال السنوات الماضية. 
 
أوكرانيا وروسيا.. فرصة لكييف ومناورة لموسكو 
وفي أوروبا، تثير النتائج احتمالات إعادة تنشيط الدعم الأمريكي لأوكرانيا، بعدما اتجه ترامب إلى تقليص المساعدات المباشرة لكييف، وممارسة ضغوط عليها لتقديم تنازلات من أجل إنهاء الحرب مع روسيا. 
وتمنح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس كييف حليفا مؤسساتيا قادرا على طرح حزم مساعدات عسكرية ومالية جديدة، وممارسة ضغوط على الإدارة بشأن تخفيف العقوبات المفروضة على موسكو. لكن هذا التحول لن يترجم بالضرورة إلى تدفق سريع للأسلحة، خصوصا أن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين، وهو أمر يصعب تحقيقه. 
كما أن الخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس قد يزيد تعقيد المفاوضات الأمريكية الروسية بشأن أوكرانيا، ويحد من قدرة ترامب على تقديم تنازلات واسعة لموسكو دون مواجهة اعتراضات داخلية. وفي المقابل، تأمل روسيا ألا تؤثر النتائج في مساعي الرئيس الأمريكي للتوصل إلى تسوية، فيما قد تستثمر الانقسامات الأمريكية لتحسين موقعها التفاوضي. 
وبالنسبة إلى الأوروبيين، فإن عودة الديمقراطيين إلى واجهة القرار التشريعي قد توفر ضمانات سياسية إضافية بشأن استمرار الاهتمام الأمريكي بأمن القارة، لكنها لا تلغي ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليص الاعتماد على واشنطن. 
 
التجارة.. الصين والهند وأوروبا تترقب 
على المستوى الاقتصادي، قد تفتح الهزيمة الجمهورية نافذة جديدة أمام الشركاء التجاريين للولايات المتحدة لمراجعة التزاماتهم الاستثمارية والتفاوض بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. وتعزز سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إمكانية إخضاع السياسة التجارية لمزيد من الرقابة، خصوصا أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس صلاحيات أساسية في تنظيم التجارة الخارجية وفرض الرسوم، رغم تفويضه الرئيس سلطات واسعة في هذا المجال. 
وتبدو الصين من أبرز القوى التي تراقب هذه التطورات، إذ قد تستفيد من تراجع قدرة ترامب السياسية على فرض شروطه التجارية، خصوصا في ظل المفاوضات الاقتصادية الجارية بين البلدين. غير أن التنافس الاستراتيجي بين القوتين لن يتراجع بالضرورة، فالمواقف المتشددة تجاه بكين تحظى بتوافق واسع داخل الحزبين، ما يجعل احتمال استمرار القيود التكنولوجية والتجارية قائما. 
أما الهند، فقد تجد في التحول البرلماني الأمريكي فرصة لتحسين شروط التفاوض بشأن اتفاقها التجاري مع واشنطن، خصوصا في الملفات المتعلقة بالزراعة وحماية الأسواق المحلية. وفي أوروبا، قد تتراجع قدرة ترامب على استخدام الرسوم الجمركية باعتبارها أداة ضغط سياسي واقتصادي، وإن كانت صلاحياته التنفيذية لا تزال تسمح له بمواصلة جزء مهم من سياساته التجارية. 
وبذلك، لا يتعلق الأمر بنهاية الحمائية التجارية الأمريكية، وإنما بإعادة توزيع أدوات الضغط والتفاوض بين البيت الأبيض والكونغرس، وهو ما قد يدفع الشركاء التجاريين إلى اعتماد سياسة أكثر حذرا تجاه الالتزامات الأمريكية طويلة الأجل. 
الذكاء الاصطناعي.. جبهة جديدة للتنافس 
ولا تقتصر التداعيات على الملفات العسكرية والتجارية، بل تمتد إلى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي تحول إلى أحد أعمدة التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. 
فقد أظهرت استطلاعات الناخبين تصاعد القلق من التوسع السريع في بناء مراكز البيانات وما تفرضه من أعباء على الطاقة والبنية التحتية والبيئة. وقد تدفع السيطرة الديمقراطية على الكونغرس إلى تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى، وفرض ضوابط أكثر صرامة على الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. 
وانعكست هذه المخاوف على أسواق المال الآسيوية، مع تراجع أسهم شركات كبرى لصناعة الرقائق، من بينها سامسونغ وإس كي هاينكس وكي أوكسيا، وسط مخاوف من أن يؤدي التشدد التنظيمي الأمريكي إلى إبطاء وتيرة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. 
لكن التنظيم الأكثر صرامة لا يعني بالضرورة إضعاف الصناعة الأمريكية، فقد يكون هدف الديمقراطيين إخضاع التوسع التكنولوجي لمعايير أكثر استدامة، وضمان عدم تحول الشركات العملاقة إلى مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي خارج الرقابة العامة. 
عالم أكثر حذرا تجاه واشنطن 
ولا يبدو أن انتصار الديمقراطيين سيؤدي إلى تغيير جذري وفوري في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، لكنه يفرض واقعا سياسيا جديدا على إدارة ترامب، ويجعل قراراتها الخارجية أكثر عرضة للمساءلة والتجاذب المؤسساتي. 
وقد يجد الحلفاء فرصة لتعزيز نفوذهم داخل الكونغرس، والخصوم قد يستثمرون الانقسام الأمريكي لتحسين مواقعهم التفاوضية، فيما ستعيد الأسواق والشركات حساباتها بشأن استقرار السياسات التجارية والتكنولوجية الأمريكية. 
غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الديمقراطيين الذين استعادوا الكونغرس لن يتمكنوا بالضرورة من إعادة صياغة السياسة الخارجية بمفردهم، طالما ظل ترامب ممسكا بالسلطة التنفيذية وصلاحيات الرئاسة. ولذلك، فإن العالم لن يشهد بالضرورة عودة إلى مرحلة ما قبل ترامب، بل قد يدخل مرحلة أكثر تعقيدا تتعايش فيها توجهات رئاسية متشددة مع رقابة برلمانية معارضة. 
إن السؤال الذي تطرحه نتائج الانتخابات لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقات الأمريكية مع إيران وروسيا والصين، بل بمدى قدرة واشنطن على الحفاظ على استمرارية استراتيجيتها الدولية في ظل انقسام مؤسساتها، إذ أن العالم الذي اعتاد التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها مركزا موحدا للقرار، سيكون مضطرا الآن إلى التعامل مع واشنطن بوجهين سياسيين متنافسين، وهو ما قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر غموضا وتقلبا في حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء.
أي عالم بعد فوز الديمقراطيين في أمريكا؟
 

*الانتصار الديمقراطي يعيد خلط الأوراق الدولية.. من الحرب على إيران وأوكرانيا إلى التنافس التجاري والتكنولوجي مع الصين 
 
بدأت ارتدادات الزلزال الانتخابي الذي شهدته الولايات المتحدة تصل سريعا إلى العواصم الدولية، حيث أخذت القوى الكبرى والحلفاء والخصوم إعادة تقييم حساباتها على ضوء التحول في موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي. 
وتفتح استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ على مرحلة جديدة من عدم اليقين بشأن اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية، وقدرة الإدارة على مواصلة تنفيذ أجندتها الدولية دون قيود تشريعية ورقابية متزايدة. 
وتأتي هذه التحولات في سياق دولي شديد الحساسية، تتداخل فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع تداعياتها على أسواق الطاقة، وتتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يحتدم التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين واشنطن وبكين. ومن ثم، فإن نتائج الانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة انقلابا في الاستراتيجية الأمريكية، لكنها تعيد رسم حدود الحركة المتاحة للرئيس، وتمنح شركاء الولايات المتحدة وخصومها هامشا جديدا للمناورة. 
إيران وتل أبيب.. حسابات الحرب والسلام 
ويبدو الشرق الأوسط من أكثر المناطق تأثرا بالتحول الانتخابي الأمريكي، خصوصا في ظل الحرب المستمرة مع إيران منذ ثمانية أشهر، وما خلفته من اضطرابات في إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة. فقد أظهرت النتائج أن الحرب أصبحت عبئا انتخابيا على الجمهوريين، وهو ما قد يدفع ترامب إلى البحث عن مخرج دبلوماسي يتيح له إنهاء المواجهة وتسويق اتفاق باعتباره إنجازا سياسيا. 
وتشير تقديرات خليجية إلى أن خسارة الجمهوريين قد تزيد دوافع الرئيس الأمريكي للتوصل إلى تسوية، وتقلص احتمالات شن هجوم عسكري واسع جديد على إيران. 
غير أن هذه المعادلة تحمل وجها آخر، إذ قد تقرأ طهران النتيجة باعتبارها مؤشرا على تراجع هامش المناورة لدى ترامب، بما يشجعها على التشدد في المفاوضات أو رفع سقف مطالبها. وقد تعتبر نتائج الانتخابات علامة ضعف أمريكية مما قد يدفع إلى تصعيد عسكري جديد بدلا من تسهيل التسوية. 
أما الكيان الصهيوني، فقد تجد نفسه أمام مرحلة أكثر تعقيدا في علاقتها بواشنطن، إذ يمكن للسيطرة الديمقراطية على الكونغرس أن توسع نطاق الرقابة على العمليات العسكرية الإسرائيلية على إيران وغزة ولبنان، وتعيد النقاش بشأن المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة. ولا يعني ذلك انهيار التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، لكنه قد يضع حدا لجزء من الحصانة السياسية التي استفادت منها حكومة بنيامين نتنياهو خلال السنوات الماضية. 
 
أوكرانيا وروسيا.. فرصة لكييف ومناورة لموسكو 
وفي أوروبا، تثير النتائج احتمالات إعادة تنشيط الدعم الأمريكي لأوكرانيا، بعدما اتجه ترامب إلى تقليص المساعدات المباشرة لكييف، وممارسة ضغوط عليها لتقديم تنازلات من أجل إنهاء الحرب مع روسيا. 
وتمنح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس كييف حليفا مؤسساتيا قادرا على طرح حزم مساعدات عسكرية ومالية جديدة، وممارسة ضغوط على الإدارة بشأن تخفيف العقوبات المفروضة على موسكو. لكن هذا التحول لن يترجم بالضرورة إلى تدفق سريع للأسلحة، خصوصا أن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين، وهو أمر يصعب تحقيقه. 
كما أن الخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس قد يزيد تعقيد المفاوضات الأمريكية الروسية بشأن أوكرانيا، ويحد من قدرة ترامب على تقديم تنازلات واسعة لموسكو دون مواجهة اعتراضات داخلية. وفي المقابل، تأمل روسيا ألا تؤثر النتائج في مساعي الرئيس الأمريكي للتوصل إلى تسوية، فيما قد تستثمر الانقسامات الأمريكية لتحسين موقعها التفاوضي. 
وبالنسبة إلى الأوروبيين، فإن عودة الديمقراطيين إلى واجهة القرار التشريعي قد توفر ضمانات سياسية إضافية بشأن استمرار الاهتمام الأمريكي بأمن القارة، لكنها لا تلغي ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية وتقليص الاعتماد على واشنطن. 
 
التجارة.. الصين والهند وأوروبا تترقب 
على المستوى الاقتصادي، قد تفتح الهزيمة الجمهورية نافذة جديدة أمام الشركاء التجاريين للولايات المتحدة لمراجعة التزاماتهم الاستثمارية والتفاوض بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. وتعزز سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس إمكانية إخضاع السياسة التجارية لمزيد من الرقابة، خصوصا أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس صلاحيات أساسية في تنظيم التجارة الخارجية وفرض الرسوم، رغم تفويضه الرئيس سلطات واسعة في هذا المجال. 
وتبدو الصين من أبرز القوى التي تراقب هذه التطورات، إذ قد تستفيد من تراجع قدرة ترامب السياسية على فرض شروطه التجارية، خصوصا في ظل المفاوضات الاقتصادية الجارية بين البلدين. غير أن التنافس الاستراتيجي بين القوتين لن يتراجع بالضرورة، فالمواقف المتشددة تجاه بكين تحظى بتوافق واسع داخل الحزبين، ما يجعل احتمال استمرار القيود التكنولوجية والتجارية قائما. 
أما الهند، فقد تجد في التحول البرلماني الأمريكي فرصة لتحسين شروط التفاوض بشأن اتفاقها التجاري مع واشنطن، خصوصا في الملفات المتعلقة بالزراعة وحماية الأسواق المحلية. وفي أوروبا، قد تتراجع قدرة ترامب على استخدام الرسوم الجمركية باعتبارها أداة ضغط سياسي واقتصادي، وإن كانت صلاحياته التنفيذية لا تزال تسمح له بمواصلة جزء مهم من سياساته التجارية. 
وبذلك، لا يتعلق الأمر بنهاية الحمائية التجارية الأمريكية، وإنما بإعادة توزيع أدوات الضغط والتفاوض بين البيت الأبيض والكونغرس، وهو ما قد يدفع الشركاء التجاريين إلى اعتماد سياسة أكثر حذرا تجاه الالتزامات الأمريكية طويلة الأجل. 
الذكاء الاصطناعي.. جبهة جديدة للتنافس 
ولا تقتصر التداعيات على الملفات العسكرية والتجارية، بل تمتد إلى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي تحول إلى أحد أعمدة التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. 
فقد أظهرت استطلاعات الناخبين تصاعد القلق من التوسع السريع في بناء مراكز البيانات وما تفرضه من أعباء على الطاقة والبنية التحتية والبيئة. وقد تدفع السيطرة الديمقراطية على الكونغرس إلى تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبرى، وفرض ضوابط أكثر صرامة على الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. 
وانعكست هذه المخاوف على أسواق المال الآسيوية، مع تراجع أسهم شركات كبرى لصناعة الرقائق، من بينها سامسونغ وإس كي هاينكس وكي أوكسيا، وسط مخاوف من أن يؤدي التشدد التنظيمي الأمريكي إلى إبطاء وتيرة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. 
لكن التنظيم الأكثر صرامة لا يعني بالضرورة إضعاف الصناعة الأمريكية، فقد يكون هدف الديمقراطيين إخضاع التوسع التكنولوجي لمعايير أكثر استدامة، وضمان عدم تحول الشركات العملاقة إلى مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي خارج الرقابة العامة. 
عالم أكثر حذرا تجاه واشنطن 
ولا يبدو أن انتصار الديمقراطيين سيؤدي إلى تغيير جذري وفوري في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، لكنه يفرض واقعا سياسيا جديدا على إدارة ترامب، ويجعل قراراتها الخارجية أكثر عرضة للمساءلة والتجاذب المؤسساتي. 
وقد يجد الحلفاء فرصة لتعزيز نفوذهم داخل الكونغرس، والخصوم قد يستثمرون الانقسام الأمريكي لتحسين مواقعهم التفاوضية، فيما ستعيد الأسواق والشركات حساباتها بشأن استقرار السياسات التجارية والتكنولوجية الأمريكية. 
غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الديمقراطيين الذين استعادوا الكونغرس لن يتمكنوا بالضرورة من إعادة صياغة السياسة الخارجية بمفردهم، طالما ظل ترامب ممسكا بالسلطة التنفيذية وصلاحيات الرئاسة. ولذلك، فإن العالم لن يشهد بالضرورة عودة إلى مرحلة ما قبل ترامب، بل قد يدخل مرحلة أكثر تعقيدا تتعايش فيها توجهات رئاسية متشددة مع رقابة برلمانية معارضة. 
إن السؤال الذي تطرحه نتائج الانتخابات لا يتعلق فقط بمستقبل العلاقات الأمريكية مع إيران وروسيا والصين، بل بمدى قدرة واشنطن على الحفاظ على استمرارية استراتيجيتها الدولية في ظل انقسام مؤسساتها، إذ أن العالم الذي اعتاد التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها مركزا موحدا للقرار، سيكون مضطرا الآن إلى التعامل مع واشنطن بوجهين سياسيين متنافسين، وهو ما قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر غموضا وتقلبا في حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء.