فجر الأحد، الأول من مارس، بث التليفزيون الإيراني نعي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي استُهدف في الهجوم الأوسع على إيران.
وقد وُلد علي الحسيني خامنئي في افريل 1939 لعائلةٍ متواضعة من علماء الدين، وترعرع في ظلال مرقد الإمام الرضا. على خط الإمام بحلول التاسعة عشرة من عمره، كان علي خامنئي قد قطع شوطًا مهمًا في الدراسة الدينية التقليدية. أنهى عددًا من دروس اللغة والمنطق والفقه والأصول في حوزات مشهد، ثم ارتحل أواخر الخمسينيات إلى "العتبات المقدسة" في العراق لطلب العلم. في النجف وكربلاء درس على أيدي كبار المراجع واكتسب تمكّنًا كبيرًا باللغة العربية حتى غدت له لغةً ثانيةً قريبة من لغته الأم. وبناءً على رغبة والده، عاد إلى إيران ليلتحق بحوزة قم العلمية مستكملاً دراساته العليا في الفقه والأصول على يد أساتذة كبار مثل آية الله العظمى حسين البروجردي، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. لكن الأهم كان تتلمذه على يد الإمام روح الله الخميني، الشخصية التي ستترك أعمق الأثر في مسيرته وفي تاريخ إيران الحديث.
في أواخر الخمسينيات، كانت مدينة قم تعجّ بالنقاشات الفقهية والفلسفية في ظل مرجعية آية الله العظمى حسين البروجردي، الذي كان المرجع الشيعي الأعلى منذ أوائل القرن العشرين. ورغم نزوع البروجردي إلى المحافظة الدينية والاعتدال السياسي، كان له أثرٌ بالغ على المؤسسة الدينية الشيعية حيث وحّد مناهج الدراسة في الحوزات المختلفة، وبنى شبكةً تربط علماء قم بعلماء النجف ومجتمعات الشيعة من العراق إلى الهند. حتى إنه يوصف بأنه آخر مرجعٍ حظي بشبه إجماع عالمي لدى الشيعة قبل أن تتعدد المرجعيات بعدها.
وبرز مبكرا في النشاط الديني والسياسي المعارض لنظام الشاه قبل الثورة الإيرانية عام 1979، حيث تعرض للاعتقال مرات عدة. وبعد قيام الجمهورية الإسلامية تولى مناصب عدة، أبرزها رئاسة الجمهورية بين عامي 1981 و1989، قبل أن يتم اختياره مرشدا أعلى من قبل مجلس خبراء القيادة. وقد تولى منصبه منذ عام 1989 خلفا لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة ورسم السياسات العامة للدولة. يعتمد خامنئي في إدارة الحكم على شبكة مؤسسات سياسية وأمنية ودينية، ويُنظر إليه باعتباره صاحب الكلمة الفصل في الملفات الاستراتيجية، خصوصا السياسة الخارجية والبرنامج النووي والعلاقات مع الغرب. كما يلعب دورا محوريا في تحديد توجهات الاقتصاد الإيراني عبر دعمه لاقتصاد “المقاومة” وتقليل الاعتماد على الخارج. وخلال السنوات الأخيرة، برز اسم خامنئي بشكل متكرر في سياق التوترات الإقليمية والملف النووي، حيث يؤكد في خطاباته على رفض الضغوط الغربية والدعوة إلى تعزيز القدرات الدفاعية والاقتصادية للبلاد. في نهاية عام 2025، اندلعت احتجاجات في إيران دخلت عام 2026 وتوسعت إلى عشرات المحافظات والمدن الإيرانية. في سنة 1962 م حينما كان خامنئي في قُم وانطلقت حركة المعارضة ضد نظام الشاه، انخرط هو أيضاً في التنظيمات المناوئة للنظام. وأصبح ناشطا في تلك التنظيمات. مما اضطّر الحكومة الإيرانية إلى اعتقاله ست مرات خلال الفترة 1962-1975 بسبب نشاطاته المناوئة للحكومة.
وفي مارس 1978 نفته الحكومة الإيرانية إلى إيرانشهر لثلاثة سنوات غير أن سراحه أُطلق بعد فترة وعاد بعدها إلى مدينة مشهد ليستمر في نشاطاته ضد الحكومة.
بعد الثورة التي حصلت عام 1979 في إيران وعودة الخميني من باريس، شكل الخميني مجلس شورى. وكان خامنئي أحد أعضاء هذا المجلس وقد ازدادات نشاطاته في النظام الجديد وتولى سلسلة من المناصب الرفيعة في الدولة الجديدة حيث تولى المناصب التالية: (خامنئي مع الشيخ منتظري، معاون شؤون الثورة في وزارة الدفاع سنة 1979م، قيادة حرس الثورة 1979م، العضوية في مجلس الشورى 1979م، إمام جمعة طهران 1980م). كذلك تولى خامنئي إمامة صلاة الجمعة في طهران ابتداءً من عام 1980، وهو منصب ديني وسياسي رفيع كانت خطبه تُنقل عبر الإذاعة والتلفزيون أسبوعيًا إلى عموم الإيرانيين. وخلال نفس الفترة، شارك في صياغة الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية عام 1979، حيث لعب دورًا في تضمين مبدأ ولاية الفقيه الذي يمزج بين المرجعية الدينية وبنية الدولة الحديثة. في جوان 1981، تعرّض خامنئي لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته حين انفجرت قنبلة في جهاز تسجيل وُضع أمامه أثناء إلقائه خطابًا في مسجد أبي ذر جنوب طهران.
السياسة الخارجية يصف خامنئي السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية على النحو التالي: "إننا نعتبر الدفاع عن المسلمين والدفاع عن الأمة المظلومة من سياساتنا الأساسية ولا نحيد عنها. نحن مؤيدون للإسلام، ومسلمون، وصحوة إسلامية، ونعارض تغذية القوى الاستغلالية من موارد وغنائم المظلومين، نحن ضد الاستعمار والاستغلال، وهذه المعارضة ليست بالكلام أو الأقوال. هذا هو إيماننا وهذا هو شكل سياستنا الخارجية: على حد قوله.
صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب
أطلق بعض المعلقين عليه رمزيًا وصف "الغيبة الصغرى". فوفق الفقه الشيعي تشير الغيبة الصغرى إلى مرحلة مؤقتة يظل فيها الإمام حاضرًا عبر وكلائه قبل الغيبة الكبرى. منذ توليه المنصب عام 1989 خلفًا لروح الله الخميني، أصبح علي خامنئي محور الحياة السياسية الإيرانية، حيث كان يمارس سلطته عبر مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه صلاحياتٍ واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة وتوجيه السياسة الخارجية والإشراف على المؤسسات الدستورية العليا – ليكون صاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية على مدى أكثر من ثلاثة عقود. عندما كان خامنئي في الثانية عشرة من عمره، شهد الإيرانيون حدثًا مفصليًا تمثّل في انتخاب الدكتور محمد مصدّق رئيسًا للوزراء عام 1951. سعى مصدّق إلى استقلال إيران الوطني عبر خطواتٍ جريئة، أبرزها تأميم شركة النفط الأنغلو-إيرانية الذي أنهى الهيمنة البريطانية شبه الكاملة على نفط البلاد. قبل أن يتم الخامسة عشرة من عمره، رأى خامنئي الفتى رئيسَ وزراء إيران الوطني محمد مصدّق يُحاكَم بتهمة الخيانة ويسجن ثلاث سنوات ويوضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته. وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت مصر تقدّم نموذجًا ثوريًا آخر ضد القوى الغربية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. حاول ناصر وقادةٌ آخرون من العالم النامي تشكيل جبهةٍ عالمية عُرفت بحركة عدم الانحياز. وفي 21 جويلية 1956 (الموافق 13 ذي الحجة 1375هـ، ثالث أيام عيد الأضحى وقبيل عيد الغدير) وقف عبد الناصر في الإسكندرية ليعلن تأميم قناة السويس، وليعيد بذلك للفتى خامنئي القدرة على الحلم مجددًا. فبعد أقل من ثلاثة أشهر اندلعت حرب السويس (العدوان الثلاثي). ربما رأى خامنئي في صمود المصريين وتمسّكهم بسيادتهم على القناة نموذجًا يُنعش روحه الثورية ويجسّد معاني الاستقلال والعزّة والمقاومة. وربما كان ذلك أحد أوائل الدروس التي تعلّمها عن حقيقة الاستعمار: القوى الإمبريالية التي دبّرت سرًا الإطاحة بمصدّق عام 1953، خاضت حربًا علنية عام 1956 لاستعادة قناة السويس. لم يكن خامنئي الوحيد من أبناء جيله الذي أُعجب بجمال عبد الناصر. فقد لاقت رؤية ناصر القومية ومناهضته للاستعمار صدىً عميقًا بين طلبة الحوزات العلمية المسيسين في إيران. وخلال دراسته الحوزوية في ستينيات القرن الماضي، برز علي خامنئي كمثقّفٍ شغوفٍ بالأدب العربي والإسلامي. وعندما اختار أن يترجم من العربية إلى الفارسية، انتقى أعمالًا تحمل دلالات عميقة على توجهاته الفكرية الناشئة. في تلك الفترة اكتشف كتب المفكر المصري سيد قطب، ليصبح بطلًا ثانيًا في مخيلة خامنئي الشاب، لكنه للمفارقة أُعدِم على يد بطله الأول، عبد الناصر. أشعلت رؤية قطب حول "الجيل القرآني الفريد" ونقاء الدعوة والمجتمع المسلم شرارةً في عقل خامنئي الشاب، وحفّزته على خوض نضالٍ وإذا كان تأثير جمال عبد الناصر كامِنًا في وعي خامنئي السياسي، فإن أفكار سيد قطب حضرت بشكلٍ ظاهر ومباشر لدى الشاب الخامنئي وهو الذي أدخله إلى قاموس الثقافة الإيرانية عبر الترجمة والتدريس في حلقات سرّية أو شبه علنية. كما اقتبس خامنئي من سيد قطب في خطبه وحواراته حتى أواخر أيامه. فعلى سبيل المثال، في مارس 2024، في أوج حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، ألقى خامنئي خطابًا عن صمود الفلسطينيين ومعاني التضحية، واقتبس مقاطع من كتاب قطب "التصوير الفني في القرآن". ودأب مرارًا على الإشادة بأفكار قطب وكتاباته، معتبرًا إياها مصادر إلهام فكري.
وفي عام 1966 – وهو العام الذي أُعدِم فيه سيد قطب – أسّس خامنئي مع زملاء من طلبة الحوزة دار نشر سرّية. نشر هؤلاء الشباب كتبًا ثورية صوّرت الإسلام كعقيدة تحرّرية، وتولّوا عبرها ترجمة كتابات قطب وآخرين.
مزج خامنئي ما احتاجه من عبد الناصر وما أخذه من سيد قطب. وليس غريبًا ذلك، فقد اتفق قطب وناصر لفترة طويلة قبل أن يقع بينهما الخلاف الكبير الذي أنهى حياة قطب. وهكذا استطاع خامنئي أن يدمج مُثل السيادة القومية ومناهضة الاستعمار (التي جسّدها ناصر) مع مُثل المجتمع الإسلامي الثوري ودولته ذات الاستقلالية المطلقة (كما وضحها قطب). هذا الخليط الفكري هو ما سيوجّه مسار خامنئي السياسي والديني في العقود اللاحقة.
المصدر: المملكة + الجزيرة
فجر الأحد، الأول من مارس، بث التليفزيون الإيراني نعي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي استُهدف في الهجوم الأوسع على إيران.
وقد وُلد علي الحسيني خامنئي في افريل 1939 لعائلةٍ متواضعة من علماء الدين، وترعرع في ظلال مرقد الإمام الرضا. على خط الإمام بحلول التاسعة عشرة من عمره، كان علي خامنئي قد قطع شوطًا مهمًا في الدراسة الدينية التقليدية. أنهى عددًا من دروس اللغة والمنطق والفقه والأصول في حوزات مشهد، ثم ارتحل أواخر الخمسينيات إلى "العتبات المقدسة" في العراق لطلب العلم. في النجف وكربلاء درس على أيدي كبار المراجع واكتسب تمكّنًا كبيرًا باللغة العربية حتى غدت له لغةً ثانيةً قريبة من لغته الأم. وبناءً على رغبة والده، عاد إلى إيران ليلتحق بحوزة قم العلمية مستكملاً دراساته العليا في الفقه والأصول على يد أساتذة كبار مثل آية الله العظمى حسين البروجردي، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. لكن الأهم كان تتلمذه على يد الإمام روح الله الخميني، الشخصية التي ستترك أعمق الأثر في مسيرته وفي تاريخ إيران الحديث.
في أواخر الخمسينيات، كانت مدينة قم تعجّ بالنقاشات الفقهية والفلسفية في ظل مرجعية آية الله العظمى حسين البروجردي، الذي كان المرجع الشيعي الأعلى منذ أوائل القرن العشرين. ورغم نزوع البروجردي إلى المحافظة الدينية والاعتدال السياسي، كان له أثرٌ بالغ على المؤسسة الدينية الشيعية حيث وحّد مناهج الدراسة في الحوزات المختلفة، وبنى شبكةً تربط علماء قم بعلماء النجف ومجتمعات الشيعة من العراق إلى الهند. حتى إنه يوصف بأنه آخر مرجعٍ حظي بشبه إجماع عالمي لدى الشيعة قبل أن تتعدد المرجعيات بعدها.
وبرز مبكرا في النشاط الديني والسياسي المعارض لنظام الشاه قبل الثورة الإيرانية عام 1979، حيث تعرض للاعتقال مرات عدة. وبعد قيام الجمهورية الإسلامية تولى مناصب عدة، أبرزها رئاسة الجمهورية بين عامي 1981 و1989، قبل أن يتم اختياره مرشدا أعلى من قبل مجلس خبراء القيادة. وقد تولى منصبه منذ عام 1989 خلفا لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة ورسم السياسات العامة للدولة. يعتمد خامنئي في إدارة الحكم على شبكة مؤسسات سياسية وأمنية ودينية، ويُنظر إليه باعتباره صاحب الكلمة الفصل في الملفات الاستراتيجية، خصوصا السياسة الخارجية والبرنامج النووي والعلاقات مع الغرب. كما يلعب دورا محوريا في تحديد توجهات الاقتصاد الإيراني عبر دعمه لاقتصاد “المقاومة” وتقليل الاعتماد على الخارج. وخلال السنوات الأخيرة، برز اسم خامنئي بشكل متكرر في سياق التوترات الإقليمية والملف النووي، حيث يؤكد في خطاباته على رفض الضغوط الغربية والدعوة إلى تعزيز القدرات الدفاعية والاقتصادية للبلاد. في نهاية عام 2025، اندلعت احتجاجات في إيران دخلت عام 2026 وتوسعت إلى عشرات المحافظات والمدن الإيرانية. في سنة 1962 م حينما كان خامنئي في قُم وانطلقت حركة المعارضة ضد نظام الشاه، انخرط هو أيضاً في التنظيمات المناوئة للنظام. وأصبح ناشطا في تلك التنظيمات. مما اضطّر الحكومة الإيرانية إلى اعتقاله ست مرات خلال الفترة 1962-1975 بسبب نشاطاته المناوئة للحكومة.
وفي مارس 1978 نفته الحكومة الإيرانية إلى إيرانشهر لثلاثة سنوات غير أن سراحه أُطلق بعد فترة وعاد بعدها إلى مدينة مشهد ليستمر في نشاطاته ضد الحكومة.
بعد الثورة التي حصلت عام 1979 في إيران وعودة الخميني من باريس، شكل الخميني مجلس شورى. وكان خامنئي أحد أعضاء هذا المجلس وقد ازدادات نشاطاته في النظام الجديد وتولى سلسلة من المناصب الرفيعة في الدولة الجديدة حيث تولى المناصب التالية: (خامنئي مع الشيخ منتظري، معاون شؤون الثورة في وزارة الدفاع سنة 1979م، قيادة حرس الثورة 1979م، العضوية في مجلس الشورى 1979م، إمام جمعة طهران 1980م). كذلك تولى خامنئي إمامة صلاة الجمعة في طهران ابتداءً من عام 1980، وهو منصب ديني وسياسي رفيع كانت خطبه تُنقل عبر الإذاعة والتلفزيون أسبوعيًا إلى عموم الإيرانيين. وخلال نفس الفترة، شارك في صياغة الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية عام 1979، حيث لعب دورًا في تضمين مبدأ ولاية الفقيه الذي يمزج بين المرجعية الدينية وبنية الدولة الحديثة. في جوان 1981، تعرّض خامنئي لمحاولة اغتيال كادت تودي بحياته حين انفجرت قنبلة في جهاز تسجيل وُضع أمامه أثناء إلقائه خطابًا في مسجد أبي ذر جنوب طهران.
السياسة الخارجية يصف خامنئي السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية على النحو التالي: "إننا نعتبر الدفاع عن المسلمين والدفاع عن الأمة المظلومة من سياساتنا الأساسية ولا نحيد عنها. نحن مؤيدون للإسلام، ومسلمون، وصحوة إسلامية، ونعارض تغذية القوى الاستغلالية من موارد وغنائم المظلومين، نحن ضد الاستعمار والاستغلال، وهذه المعارضة ليست بالكلام أو الأقوال. هذا هو إيماننا وهذا هو شكل سياستنا الخارجية: على حد قوله.
صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب
أطلق بعض المعلقين عليه رمزيًا وصف "الغيبة الصغرى". فوفق الفقه الشيعي تشير الغيبة الصغرى إلى مرحلة مؤقتة يظل فيها الإمام حاضرًا عبر وكلائه قبل الغيبة الكبرى. منذ توليه المنصب عام 1989 خلفًا لروح الله الخميني، أصبح علي خامنئي محور الحياة السياسية الإيرانية، حيث كان يمارس سلطته عبر مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنحه صلاحياتٍ واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة وتوجيه السياسة الخارجية والإشراف على المؤسسات الدستورية العليا – ليكون صاحب الكلمة الفصل في القضايا المصيرية على مدى أكثر من ثلاثة عقود. عندما كان خامنئي في الثانية عشرة من عمره، شهد الإيرانيون حدثًا مفصليًا تمثّل في انتخاب الدكتور محمد مصدّق رئيسًا للوزراء عام 1951. سعى مصدّق إلى استقلال إيران الوطني عبر خطواتٍ جريئة، أبرزها تأميم شركة النفط الأنغلو-إيرانية الذي أنهى الهيمنة البريطانية شبه الكاملة على نفط البلاد. قبل أن يتم الخامسة عشرة من عمره، رأى خامنئي الفتى رئيسَ وزراء إيران الوطني محمد مصدّق يُحاكَم بتهمة الخيانة ويسجن ثلاث سنوات ويوضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته. وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت مصر تقدّم نموذجًا ثوريًا آخر ضد القوى الغربية بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. حاول ناصر وقادةٌ آخرون من العالم النامي تشكيل جبهةٍ عالمية عُرفت بحركة عدم الانحياز. وفي 21 جويلية 1956 (الموافق 13 ذي الحجة 1375هـ، ثالث أيام عيد الأضحى وقبيل عيد الغدير) وقف عبد الناصر في الإسكندرية ليعلن تأميم قناة السويس، وليعيد بذلك للفتى خامنئي القدرة على الحلم مجددًا. فبعد أقل من ثلاثة أشهر اندلعت حرب السويس (العدوان الثلاثي). ربما رأى خامنئي في صمود المصريين وتمسّكهم بسيادتهم على القناة نموذجًا يُنعش روحه الثورية ويجسّد معاني الاستقلال والعزّة والمقاومة. وربما كان ذلك أحد أوائل الدروس التي تعلّمها عن حقيقة الاستعمار: القوى الإمبريالية التي دبّرت سرًا الإطاحة بمصدّق عام 1953، خاضت حربًا علنية عام 1956 لاستعادة قناة السويس. لم يكن خامنئي الوحيد من أبناء جيله الذي أُعجب بجمال عبد الناصر. فقد لاقت رؤية ناصر القومية ومناهضته للاستعمار صدىً عميقًا بين طلبة الحوزات العلمية المسيسين في إيران. وخلال دراسته الحوزوية في ستينيات القرن الماضي، برز علي خامنئي كمثقّفٍ شغوفٍ بالأدب العربي والإسلامي. وعندما اختار أن يترجم من العربية إلى الفارسية، انتقى أعمالًا تحمل دلالات عميقة على توجهاته الفكرية الناشئة. في تلك الفترة اكتشف كتب المفكر المصري سيد قطب، ليصبح بطلًا ثانيًا في مخيلة خامنئي الشاب، لكنه للمفارقة أُعدِم على يد بطله الأول، عبد الناصر. أشعلت رؤية قطب حول "الجيل القرآني الفريد" ونقاء الدعوة والمجتمع المسلم شرارةً في عقل خامنئي الشاب، وحفّزته على خوض نضالٍ وإذا كان تأثير جمال عبد الناصر كامِنًا في وعي خامنئي السياسي، فإن أفكار سيد قطب حضرت بشكلٍ ظاهر ومباشر لدى الشاب الخامنئي وهو الذي أدخله إلى قاموس الثقافة الإيرانية عبر الترجمة والتدريس في حلقات سرّية أو شبه علنية. كما اقتبس خامنئي من سيد قطب في خطبه وحواراته حتى أواخر أيامه. فعلى سبيل المثال، في مارس 2024، في أوج حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، ألقى خامنئي خطابًا عن صمود الفلسطينيين ومعاني التضحية، واقتبس مقاطع من كتاب قطب "التصوير الفني في القرآن". ودأب مرارًا على الإشادة بأفكار قطب وكتاباته، معتبرًا إياها مصادر إلهام فكري.
وفي عام 1966 – وهو العام الذي أُعدِم فيه سيد قطب – أسّس خامنئي مع زملاء من طلبة الحوزة دار نشر سرّية. نشر هؤلاء الشباب كتبًا ثورية صوّرت الإسلام كعقيدة تحرّرية، وتولّوا عبرها ترجمة كتابات قطب وآخرين.
مزج خامنئي ما احتاجه من عبد الناصر وما أخذه من سيد قطب. وليس غريبًا ذلك، فقد اتفق قطب وناصر لفترة طويلة قبل أن يقع بينهما الخلاف الكبير الذي أنهى حياة قطب. وهكذا استطاع خامنئي أن يدمج مُثل السيادة القومية ومناهضة الاستعمار (التي جسّدها ناصر) مع مُثل المجتمع الإسلامي الثوري ودولته ذات الاستقلالية المطلقة (كما وضحها قطب). هذا الخليط الفكري هو ما سيوجّه مسار خامنئي السياسي والديني في العقود اللاحقة.