قراءة في وثيقة تاريخية:احتلال البلاد التونسية (1881-1883). تعريب:صالح البكّاري - الصباح نيوز | Assabah News
Mar.
3
2021

تابعونا على

قراءة في وثيقة تاريخية:احتلال البلاد التونسية (1881-1883). تعريب:صالح البكّاري

الجمعة 25 ديسمبر 2020 14:36
نسخة للطباعة

بقلم: رشيد رضا غديرة

ما أن قرأت عنوان الكتاب المرتبط بحقبة تاريخية محددة لبلادنا (1881-1883) حتى حضرتني قولة ابن خلدون المرجعية: "التاريخ  في ظاهره لا يزيد على الإخبار و في باطنه نظر و تحقيق"

تمعّنتُ و تدبّرتُ و تروّيتُ وقد دفعني العزم لأستكشف الظاهر و الباطن من أحداث هذه الوثيقة العسكرية باعتبارها فصلا من تاريخنا و جزءًا من ذاتنا و علامة ضوء تُشبع، و لو جزئيا، فضولنا لصفحة من الماضي غير البعيد.

أقبلتُ إذن على قراءة هذا الكتاب المعرَّب بفضول المتشوّق و المتطلّع و المتحفّز و المدرك منذ البداية أنّ التعريب كتابة صعبة ترتقي إلى مرتبة الفن لأنّ المطلوب من المعرِّب إبلاغ المضمون بدقّة و أمانة و بالتعبير الأرقى دون تحريف أو إسقاط. فهو أشبه بالفنّان الذي ينتقي اللون المناسب  في المحلّ المناسب و بالشكل المناسب حتّى يستوي الرسم بصيغة رائقة تسرّ النفوس. ولذلك توصَم عملية التعريب أو الترجمة لدى بعض النقّاد بأنّها "خيانة" للنص الأصليTraduire c’est trahir

و لذلك أيضا يختلف التعريب من ميدان إلى آخر.فترجمة النصوص القانونية تختلف عن مثيلاتها الطبيّة و كذلك المالية و العسكرية و سائرالاختصاصات. وهي ممارسة تستدعي ما تستدعي من سلاح فكري و عتاد معرفي و ذخيرة لغوية.

و إنّي على يقين أنّ إنجاز هذا التعريب استنزف من وقت الأستاذ صالح البكاري ما لم تأخذه كتاباته السابقة في مجالات أخرى بحُكم واجب التدقيق و الوفاء لسياقات الأحداث التاريخية بما تحويه من أسماء الأشخاص و الأماكن و التواريخ و المصطلحات العسكرية و ما يطابقها في أكثر من مرجعيّة، وهي من المَطبّات التي كثيرا ما تقع فيها أعمال المعرّبين و المترجمين. و إن حصلت فإنها تنحدر بالنص إلى الركاكة و تمنع القارىء أن يملأ الوِطاب من الدلالات الصحيحة و المعاني الحقيقية، فيطوي الكتاب و في نفسه شيء من ملء الوِطاب.

تماديتُ في القراءة. و كلّما قرأت جزءًا إلّا وجدت نفسي حاضرا بين سطور الوثيقة أنظُر الأحداث و كأنّها حصلت البارحة، أرمُقها و أُعايشها و أواكبها فألمحُ فرساننا الأشاوس و أسمعُ صهيل الخيول التي يمتطون و أستنشق النقع الذي يُثيرون و أهتزُّ لأصوات البنادق التي يحمِلون و أَلحظُ أهالينا في البوادي و المواشي التي يهُشّون و أتخيّل الزوايا بطقوسها الروحية و أذكارها الدينية و ذبائحها السخية و بخوراتها العطرية. و أشهد قصور البايات و أستحضر أشكالها المعمارية الأصيلة و زخارفها الجميلة كغيرها من المعالم التي تروي لنا تاريخا مجيدا و حضارة عريقة.

أُعايش كل ذلك و أكثر في السطور لأنّ مدار الأحداث بين أهلينا و في مُدُننا و بوادينا و في سهولنا و جبالنا و موانئنا. و لأنّنا أيضا نحمل في ذاكرتنا شيءًا عن شخوصها و معارف عن رموزها و ما حفّ بها من ظروف و ملابسات.

ولا أخال التونسيين إلّا حُضَّرًا مثلي بين السطور،إنْ لم يكُن بارتباطهم الجغرافي بالأماكن أو المعالم فبالجذور السُلالية التي انحدروا منها،من خلال العروش أو القبائل المكوِّنةللنسيج السكّاني ببلادنا. و كم زخرتْ هذه الوثيقة بأسماء العروش و القبائل المتأصلة عبر ربوعنا.

أتممتُ القراءة فوجدتني أُسنِد ذقني إلى يدي لأُمعِن برهةً في التفكير قبل أن أجُرّ القلم على القرطاس لأخطّ ما جال في البال على مستويين: أهميّة الوثيقة و مميّزاتها ،لأَختمها بالمسكوت عنه خلف سطورها.

أهميّة الوثيقة:

أوّلًا : توحي الوثيقة بتصارع القوى العالمية العظمى لفرض سلطانها على البلدان الضعيفة ومن بينها البلا د التونسية التي تمثّل نصيبا من تقاسم السلطة عبر مناطق العالم تنفيذًا لاتفاقيات وضعتها هذه القوى فيما بينها.و قد أوضح ذلك الأستاذ المعرِّب في مقدّمته مثلما أومَأَ إليه محرّر الوثيقة عندما أشار إلى «استشراء الصراع بين فرنسا و إيطاليا»ص30، و تنازعهما على افتكاك العقود و الصفقات الكبرى التي من شأنها أن تدرّ عليها أرباحًا كثيرة و تُرسّخ تغلغلها في اقتصاد البلاد. و ليس ذلك فقط بل لتكتسب من خلاله مزيدا من المهابة و الوجاهة و الكبرياء بين بلدان العالم فتقوى شوكتها و تتعزّز مكانتها.

ثانيًا : تُقدّم الوثيقة مادة جِدّ مفيدة للدارسين و الباحثين في مجال العلوم العسكرية بمخزون ثري و روافد متنوعة من حيث المبادىء و الأهداف و الاستراتيجيات الحربية و الوسائل اللوجستية و أنواع المعدّات المستخدمة و حجمها المحقق للغرض و الإمكانيات البشرية و كيفية توزيعها و توظيفها و الأساليب الدعائية لتحقيق الأهداف و تحصيل الملومات حول المواقع المراد استهدافها..و قد عبّرت

الوثيقة عن ذلك بالقول:"و هذه هي المبادىء التي انبنى على أساسها الحسم في خطّة الحملة"ص48، و المقصود طبعًا هو حملة الغزو للبلاد التونسية.

ثالثًا : تتكشّفُ فظاعة الأعمال التي اقترفها الجيش الفرنسي ضدّ الأهالي الذين أبدوا مقاومة في وجه القوات الغازية،و قد بلغت بشاعتها إلى حدّ قطع الرؤوس "دون تمييز في الجنس أو السِنّ"و بَقْر بطون النساء الحوامل و اقتلاع الأطفال منها بأمر من القادة العسكريين(ص60) فضلًا عن مظاهر الإذلال التي أُخضِع لها الأهالي بقبول كل الشروط المُهينة التي يفرضها عليهم الغُزاة عند الاستسلام لقوّتهم المُرعبة(ص199).و يطال التنكيل أيضا المساندين للمقاومين بالقتل و إحراق المساكن و المزروعات وملاحقتهم أينما ذهبوا.

رابعًا : تُوءكّد الوثيقة وقوف شطر هام من الأهالي في وج ه القوات الفرنسية و تصدّيها ببسالة و شجاعة للغزو،ما كلّفها ضحايا عديدة و ضياعًا لأرزاقها و ممتلكاتها و تشتّتا لأفرادها أو تهجيرًا قصريّا عن أراضيها.

وبالرغم من تفاوت القوى بين الطرفين فإنّ ذلك لم يفِلّ من عزم العديد من المقاومين على الخوض في مواجهات عنيفة ألحقوا خلالها الجنود الفرنسيين في عديد الأماكن خسائر جسيمة في الأرواح و العتاد وهو ما تتستّر عنه الوثيقة بوازع الاعتداد بالذات و الاستنقاص من شأن الآخر. ولكنّ المرجع الذي يحيلنا إليه المعرِّب نقلًا عن المؤرّخ العسكري أندري مارتال يؤكّد أنّ الجيش الفرنسي «اضطرّ للاختباء في الثكنات و البواخر الحربيةلمدّة خمسة عشر يومًا كاملة..و لولا نفاذ ذخيرة المقاومين و وصول المَدد إلى القوات الفرنسية لأضحت صفاقس وضواحيها مقبرة كبيرة للجنود الفرنسيين»ص11.

وهذا تأكيد على أنّ الروح الوطنية متجذّرة لدى التونسيين،يرفضون المهانة و الاستكانة و يضحّون بالنفس و النفيس من أجل حريّتهم و كرامتهم مهما كانت قوّة العدوّ.

خامسًا : يتّضح عمق الشرخ في العلاقة بين سلطة الباي و أغلب شرائح المجتمع سيّما بعد إمضاء معاهدة الحماية. في حين كان الباي محمد الصادق يدعو رعاياه إلى الاستسلام و يأمر القِيّاد «بالامتناع عن القيام بأيّ عمل عدائي ضد الجيش الفرنسي و بتسكين الغضب»(ص38) تثور القبائل في البوادي و الجبال،شمالًا و جنوباً، فتتخذ شكل هجومات على أرتال قوات الاحتلال الضخمة و  المدجّجة بالعتاد أو مباغتات ظرفية يحكُمها ضعف الوسائل الحربية و تشتت التنسيق.

وبالرغم من الشعارات السلمية و عناوين الصداقة و الحضارة و التمدّن التي تذرّعت بها سلطات الاحتلال لبسط نفوذها فقد تحركت النخوة الوطنية لدى القبائل بالخصوص في مقاومة تصفها الوثيقة ب"التمرّد" و هي المقاومة التي أُحييَتْ جذوتها فتنظّمت و تطوّرت و استقام عودها عبر العقود اللاحقة لتنتهي إلى تحرير البلاد.

هذا ما يعطي لهذه الوثيقة طابع الرابط التاريخي بين بواكير المقاومة عند نشأتها الأولى و ماجاء بعدها من أحداث تحريرية بسياقاتها الوطنية و الإقليمية و العالمية.

سادسًا : تتضمّن الوثيقة وصفًا صادمًا لما كان يسود علاقة القبائل فيما بينها من تنازع و تطاحن و تقاتل بغاية الاستحواذ و النهب و الهيمنة حيث يطغى منطق القوة على منطق العقل و تغلب المصلحة الذاتية أو القبلية على غيرها من المصالح الوطنية بما يؤدّي إلى تشتّت الجهود و تلاشي المبادرات الهادفة إلى توحيد الكلمة و توجيه القوى نحو العدو المشترك.

وبديهيّ أن يستثمر المستعمر هذا الخلل و يعمّقه و يكرّسه فيستغلّ الخلافات القديمة لتأجيج نوازع الثأر و يدفع إلى التباغض و التناحر و السطو و بالتالي دخول عدد من القبائل تحت جناح الاحتلال وتواطىءها معه طلبًا للحماية و تحقيقًا للمآرب الخاصة.

سابعًا : تُرشِدنا الوثيقة إلى تغلغل عيون الاستعلامات الأجنبية في كل أركان البلاد بمدُنها و بواديها و اطّلاعها الدقيق على مكوّنات المجتمع التونسي و تركيبته السكّانية و أسماء العروش و القبائل و توزيعها الجغرافي و تفاضل القوى بين مختلف فروعها و ما يسود علاقاتها من تقارب أو تنافر أو مصاهرة و ما يستهويها من طموحات و تطلّعات. كما تدلّ على معرفة بالوجوه الدينية ودرجات تأثيرها و حجم أنصارها في مناطق المقاومة بالخصوص، فضلاً عن النفاذ  إلى أعلى مواقع السلطة حيث يلتقي الباي بحاشيته و بِِطانته المدبِّرة و الوفود الرسمية و حيث تُبرَم العقود و الاتفاقيات الكبرى و تُوءخذ القرارات. و لا شك أنّ مثل هذا الانتشار و النفاذ للحصول على المعلومات يساعد قوة الاحتلال على إحكام سيطرتها في كل الدواليب و تنفيذ السياسة المناسبة،ترغيبًا أو ترهيبًا،طبقا لمقتضيات الظرف.

ثامنًا : ترشُح الوثيقة بمعطيات تشير إلى تأثير التفكير الديني في أوساط العامة من الأهالي بوجود تيّار يرفع راية الذود عن الوطن المقترن بالدفاع عن الإسلام ضدّالغزاة الكُفّار و بذلك تزدوج الدعوة إلى المقاومة بدافع وطني يعزّزه الوازع الديني بغية الإقناع

بالاستهداف المزدوج لهوية البلاد و مجالها الترابي ناهيك أنّ عددا من أنصار هذا التيار أصبحوا يصفون الباي بالكافر بعد إمضائه على معاهدة الحماية و لا يتوانون في التحريض ضده و الدعوة إلى الثورة.

ولكن بالرغم من مظاهر المقاومة المتفرّقة في أرجاء عديدة من البلاد فإنّ عددا من شيوخ الزوايا الذين كان لهم نفوذ معنوي و كلمة مسموعة في أوساطهم لم يعانقهم شوق الحياة الحرّة و استثقلوا وِزر التضحيات في مواجهة الاحتلال فتركوا مبادىء العقيدة و الدين و استعاضوها بمصالحهم الخاصة فركنوا إلى الاستسلام أو التعاون مع القوات الغازية حفاظا على أرواحهم و أرزاقهم و مناصبهم وهو ما حصل على سبيل الذكر مع شيخ الرحمانية(ص198) و شيخ الزاوية القادرية(ص200).

تاسعًا : تمدّنا الوثيقة بمادة ثرية لأسماء أهم العروش و القبائل و تفريعاتها في مختلف مناطق البلاد، و أبرز قوّادها و رجالها الموءثّرين و عدد مقاتليها و ثرواتها الحيوانية و الزراعيّة و تموقعها في درجات القوة القبَلية فإمّا قوية العدد و العُدّة بما يُكسِبها سطوة و مهابة و إمّا ضعيفة السواعد فتكون مطمعا للسلب و النهب و الاعتداء.

بهذا الزخم من المعطيات تكتسب الوثيقة قيمة معجمية جغرافية تنصهر في سياق علم الأنسابGénéalogie التي تُعَدّ من الاهتمامات البالغة في الذهنية العربية الإسلامية الحريصة على حفظ أنسابها و أعراقها وهو ما يفسّر حرص عديد العائلات على تدوين الشجرة التي ينحدرون منها بفخر و تباه.

هذا يذكّرني ببشّار بن بُرد في فخره بنَسبه و قبيلته عندما يقول: أنا ابن الأكرمين أبًا و أُمًّا/تنازَعه المرازب من طُخار.

عاشرًا: توحي الوثيقة باستخلاص الموعظة و العِبرة لذوي الألباب من القادة و أولي الأمر بأنّ ضعف السلطة و غياب الروح الوطنية و تضارب المصالح و تدهور الاقتصاد و تراكم الديون و إرهاق الشَعب بالضرائب المشطّة،كلّها عوامل توءذن بخراب البلدان و تُسرِّع انهيار الدول،و بها تحصل القطيعة بين الرؤساء و المرؤوسين فتتأجّج الثورات من الداخل و تصبح الأوطان هدفا لأطماع القوى الخارجية لتستبيح حرمتها و تنتهك ترابها و تستنزف ثرواتها.

مميّزات تعريب الوثيقة:

قيل عن البلاغة إنها "حُسن العبارة مع قوّة و صحّة الدلالة" وهو ما ينطبق على الصياغة العربية لهذه الوثيقة التي نجد فيها من السلاسة و الانسياب و المتانة ما يشدّك إليها شدًّا و يُبلغك المعنى في جلاء و وضوح بِما يوءكّد امتلاك ناصية التعبير و حذق قواعد الصياغة و أساليبها باللغتين العربية و الفرنسية لدى الأستاذ صالح البكاري.

وممّا يزيد في إعجاب القارىء لمسة الاجتهاد لدى المعرِّب في شرح عديد المصطلحات الغامضة ذات المدلول العسكري العثماني مثل رتبة اليوزباشي(ص104) أو الأمباشي(ص118) أو الوجق(ص165) أو الطبجي(ص190) أو الكاهية(ص215) أو مصطلح القشلة أو معنى القُوميّة (بالgu الفرنسية) و غيرها من المصطلحات التي يُذيّل المعرِّب تفاسيرها و سياقات استعمالها في أسفل الصفحات بِما يُغني عن مشقّة البحث في مطاوي المجلّدات و المراجع.

ولا يقتصر الاجتهاد على تفسير المصطلحات بل يتجاوزها إلى التدقيق في الأحداث بمجهر السرد المقارن ليقدّم للقارىء رواية مغايرة أقرب للواقع و أنسب للموضوعية. و مِثاله ما جاء في الوثيقة الأصلية من تعتيم على عدد القتلى و الجرحى في صفوف القوات الفرنسية أثناء معركة صفاقس التي استبسل فيها فرسان الشيخ علي بن خليفة. فجاءت الرواية المخالفة في مقدّمة المعرِّب حسب وصف الموءرّخ العسكري أندري مارتال الذي سبق ذكره.

ولا يتوانى المعرِّب في الإفصاح عن استهجانه لبعض الأوصاف و التحاليل المضمَّنة في الوثيقة الأصلية و التي ترِد في سياق "الاستنقاص" من السكان التونسيين أو تشويه صورتهم وفي ذلك تعبير عن الاستنكاف من مشاعر الاستعلاء و النظرة الدونية التي يُكنّها المستعمِر إزاء أبناء الوطن(ص15)« و في التقرير تشويه لمجموعات من الفارّين من الجندية المنضمّين إلى قوات المقاومة بدعوى انعدام الانضباط وفق التقاليد العسكرية دون التفات إلى وازع الحميّة الأهلية».

وممّا يوءكّد هذه النظرة الدونيّة لدى المستعمِر تردُّدُ عبارات جارحة عند وصف المقاومين الذين واجهوا القوات الفرنسية، إذ يوصفون بأنهم "متمرّدون" في أغلب السياقات و "مجانين" و "قتلة "(ص173) و "عصابات متسكّعة"(ص176) و"مفسدون"(ص198).حتّى و إن وُجِّهت بعض هذه التوصيفات في سياق هجومات للسلب و النهب فإنّ القائمين بها يستمدّون دوافع أعمالهم أو مشروعيتها من محاربة عدوّ محتلّ لأراضيهم و منتهك لبلادهم بقوة السلاح.

المسكوت عنه في الوثيقة:

المسكوت عنه في الوثيقة متعدّد الأوجه و في أكثر من مجال، لعلّ الأبرز منها ما يتعلّق بانتقال الحكم إلى علي باي إثر وفاة أخيه محمد الصادق باي.

فبعد أن كانت شخصية علي باي حاضرة في الأحداث التي ملأت حياة الناس منذ دخول القوات الفرنسية، أصبح ذِكرها غائبا في مرحلة مفصلية من علاقة السلطة الفرنسية بأعلى هرم النظام سيّما و أنّ الممضي على الاتفاقية الجديدة و الخطيرة (اتفاقية المرسى) يوم 29جوان 1883 هو علي باي الذي مكّن سلطة الاحتلال من تشديد قبضتها على البلاد و إحكام سيطرتها على دواليب الحكم.

والغريب أنّ محرّر الوثيقة العسكرية ضَمَّن في الملاحق النصّ الكامل لاتفاقية المرسى الممضاة من الباي الجديد،دون تعليق على الظروف التي حفّت بإمضائها أو ردود الفعل الناتجة عنها في الأوساط القريبة من القصر أو البعيدة.

و من المسكوت عنه أيضا مواقف رجال الدين عامةً و علماء الزيتونة بالخصوص،من الاحتلال الفرنسي للإيالة. فلا نجد منها إلّا شذرات بائسة و إشارات طفيفة لا تعكس حقيقة الرفض للاحتلال سواء من منطلق عقائدي إسلامي أو من منطلق الارتباط التاريخي و السياسي و الحضاري بالخلافة العثمانية. و من مظاهر هذا الرفض لائحة الاحتجاج التي وجّهها مدرّسو الزيتونة إلى الباي و انجرّ عنها فصلهم عن وظائفهم. و لكنّ الوثيقة تسكت عن مثل هذه الأخبار.

ولئن وجدنا في الوثيقة شيئا من صدى الرفض لدى البعض من شيوخ الزوايا في البوادي، من الذين ساندوا المقاومين،فإنّما لتقديمهم في صورة المنهزمين و المستعطفين لقوات الاحتلال العاتية بعد أن لحق أهاليهم ما لحق من بطش و تبديد للأرزاق.

ولو عدّدنا كل الأوجه المسكوت عنها لاستغرق العرض صفحات أخرى.

وفي الختام فإنّي أُثني مجدّدا على جهد الأستاذ الوزير و السفير صالح البكّاري للجهد المرموق الذي بذله لإثراء ميدان الثقافة و إطلاع عامة التونسيين على وثيقة تاريخية لامس من خلالها الفكر و العاطفة و الحميّة و الفضول و لذلك نجد أنفسنا ميّالين لكسب هذا الكتاب و قراءته أكثر من مرّة لنتعلّم أكثر و نكبر أكثر و نرتقي أكثر تصديقًا لما قاله أحد الفلاسفة:"من لا يقرأ التاريخ يبقى أبد الدهر طفلاً صغيرًا".

في نفس القسم

2021/2/23 09:08
بدعوة من لجنة الثقافة والفنون والتربية والتعليم ببلدية سكرة ستنعقد يوم الجمعة 26 فيفري 2021 على الساعة الرابعة بعد الزوال ( 16 ) ندوة فكرية بعنوان : " دور المثقف في تخليد ملاحم الشعوب وحفظ الذاكرة الوطنية ". من خلال تقديم وتوقيع الكتاب الصادر عن دار سوتيميديا للنشر والتوزيع...
2020/12/8 14:52
مباشرة من القاهرة: عبلة لسود كرم مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ 42 كل من  الكاتب الكبير وحيد حامد بجائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر، والفنانة منى زكي بجائزة فاتن حمامة للتميز، والسيناريست البريطاني كريستوفر هامبتون الذي حصل على جائزة الهرم الذهبي، وعقد للثلاثي...
2020/10/22 21:26
صدر اليوم الجمعة 22 أ أكتوبر عن دار مومنت للكتب والنشر بالمملكة المتحدة مجموعة شعرية للشاعر التونسي الشاب أنور بن حسين تحمل عنوان عتبات الذهول " ويضمّ الكتاب الذي جاء في 80 صفحة مضمّنة في غلاف خارجي من تصميم حكمت الحاج وموشّح بلوحة فنيّة أنيقة للفنان التشكيلي التونسي الدكتور...
2020/10/3 10:42
دعا الفرع الجامعي للتعليم الاساسي بمنوبة في بيان نشره مساء يوم امس جميع المربين بجهة منوبة الى مقاطعة نادي تحدي القراءة العربي الممول اماراتيا و ذلك بسبب تطبيع نظامها مع الكيان الصهيونى حسب نص البيان الذي تضمن ان هذه الدعوة تدخل في باب الانحياز التام و الفعلي للفرع الجامعي لجميع...
2020/9/24 18:17
من المنتظر أن تصدر  "دار الوطن العربي للنشر والتوزيع" خلال الأيام القليلة القادمة، رواية "قنديل الثنايا"  للزميل الإعلامي والكاتب علي الخميلي، قبل إصدار ذات المؤسسة " دار الوطن العربي للنشر والتوزيع" كتابه الجديد الآخر لهذه السنة 2020 "الثورة التونسية .. بين المنقول والمجهول"...