تونس.. ديمقراطية الفساد - الصباح نيوز | Assabah News
May.
25
2019

تابعونا على

تونس.. ديمقراطية الفساد

الجمعة 15 مارس 2019 17:01
نسخة للطباعة

الشارع التونسي لا يبدو متحمسا لانتخابات جديدة طالما أن الديمقراطية تحولت إلى لعنة جرت عليه الكثير من الأزمات، وخاصة في غياب رؤى ومقاربات لدى الأحزاب المختلفة تجيب عن أسئلته وتطمئنه على مستقبل البلاد.
ستختفي الضجة التي رافقت فضيحة وفاة عدد من الرضع في أحد مستشفيات تونس بسبب الاعتماد على دواء فاسد، وستأتي فرقعة إعلامية جديدة بشأن قضية فساد أخرى، ثم تنسى وتترك مكانها لأخرى، وهكذا تغرق البلاد في دوامة ديمقراطية الفساد التي تأسست بعد الثورة.
ويرتفع الكثير من الصراخ في مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاء مثالي للتنفيس وامتصاص غضب الشارع على الفضائح سواء المرتبطة بالفساد أو بالطبقة السياسية. ووجد الفساد واللوبيات الحامية لها أن من مصلحتها تحويل المعركة من الواقع الحقيقي إلى الواقع الافتراضي، وتغذية “دولة فيسبوك” بالتفاصيل والتسريبات المتناقضة وشد الفئات المناهضة للفساد، من إعلاميين ومنظمات شبابية وحقوقية، ومثقفين وسياسيين مثاليين هربوا من المواجهة، لتظل المعركة بعيدة عن الشارع والناس.
نجحت ديمقراطية الفساد، التي تسمح بهامش واسع من حرية التعبير وصناعة رموز ثورية افتراضية تعيش حالة عجيبة من الاغتراب، في أن تنقل المعركة إلى دائرة ضيقة ممن لم يتخلصوا بعد من بريق ثورة العام 2011 التي تم استيعابها سريعا وتحويلها من نموذج لانتقال ديمقراطي شعبي متحرر من هيمنة الطبقة السياسية، إلى نموذج قهري تسلطي ليس من السلطة بواجهتها السياسية، ولكن بواجهة لوبيات النفوذ المالي التي نجحت في تحويل الوجوه الوافدة ما بعد 14 يناير 2011 إلى وكلاء مباشرين لمصالحها.
 
وساعدت هشاشة الانتقال السياسي وسرعته في خلق نموذج متلون المواقف والقرارات، إذ تجد وجوها سياسية من اليمين واليسار تتظاهر مع الشارع وتردد شعارات الغاضبين، وفي نفس الوقت تعمل على تنفيذ “الإصلاحات” واستصدار القرارات التي تثبّت مصالح أصحاب النفوذ. ويلتقي في هذا النموذج الإسلاميون واليساريون والقوميون وأحزاب الوسط، وقد تشذ عنه بعض الأصوات، لكن تأثيرها محدود ومجال تحركها في الغالب لا يخرج عن حدود “الدولة الافتراضية” لفيسبوك.
وبدأ الناس يكتشفون بعد ثماني سنوات من التغيير الحالم، أن الانتقال السياسي وضع بشكل مدروس على مقاس الفساد في مشهد شبيه بالعملية السياسية في العراق التي جاءت ما بعد غزو 2003، نظام برلماني لا يتيح سيطرة حزب أو حزبين، بل يقوم على الحاجة إلى تحالفات هشة بين كتل متناقضة المرجعيات والمصالح.
هذا النموذج يحول التجربة الديمقراطية إلى لعبة لا تتوقف خلافاتها وأزماتها وصراع الأحزاب بداخلها، ما يحقق أمرين متناقضين لكنهما يخدمان مصلحة اللوبيات التي تريد أن تظل بعيدا عن الأنظار.
الأمر الأول هو تيئيس الجماهير من الانتقال الديمقراطي ودفعهم إلى اعتزال السياسة، وهذا تحقق فعليا من خلال تراجع نسبة المشاركة بشكل دراماتيكي بين انتخابات 2011، وصولا إلى الانتخابات المحلية الأخيرة. وفي هذا رسالة تكسر انتظار الناس إلى التغيير وتهدم صورة “ثورة الياسمين” التي أفضت إلى واقع اقتصادي واجتماعي صعب، بدل أن تحقق النموذج الذي خطف الأضواء.
الأمر الثاني هو أنه تم إفراغ الديمقراطية من مدلولاتها المتعددة سواء ما تعلق بتأمين العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتوفير مناخ مشجع على التعدد السياسي والفكري والديني، وحصر مجال تحرك السياسيين في فضاء الصراع الحزبي المباشر، بشكل يباعد بينهم وبين القضايا الأساسية التي يُفترض أن تتصدى لها الأحزاب أو نواب البرلمان وفي مختلف المؤسسات السيادية بما في ذلك رئاسة الجمهورية.
وقد انخرطت الأحزاب في أغلبها، على درجات، في هذه اللعبة وبوعي تام. وحين تشاهد نقاشات البرلمان وتستمع إلى الصراخ السياسي والمزايدات تتأكد أن ذلك هدفه التغطية على الأدوار التي تلعبها الكتل وأحزابها في تمرير القوانين التي تخدم اللوبيات، وإلا ما معنى أن يعارض عشرات النواب في جلسات منقولة على الهواء تلك القوانين، لتفاجأ في الأخير بأنها مرت بأغلبية مريحة وأحيانا دون اعتراض.
وتسمح استراتيجية الإغراق في الأزمات الصغيرة، التي تظهر بشكل موجه على وسائل الإعلام الحكومية والخاصة في لعبة الإلهاء التي تحركها الأيادي الخفية، للأحزاب بإصدار بيانات تحفظ لها ماء الوجه وتظهرها في مظهر المعارض للفساد في تفاصيله، وليس في كلياته التي تتم تحت أعين الجميع، مثل الصفقات الكبرى مع شركات محلية أو أجنبية، أو التحضير للتفويت في شركات ومؤسسات القطاع العام، أو صفقات الأدوية المشبوهة.
 
ولو عدنا لوفاة عدد من الرضع في أحد المستشفيات الكبرى بالعاصمة تونس لوجدنا أن الهدف من التحقيق ليس تبرئة الفاعلين، ولكن تحويل الحادث إلى أمر عارض يمكن تطويقه باستقالة رمزية لوزير الصحة الذي لا علاقة له بالصحة سوى التسمية الحكومية، فالوزارات الخدمية تسيّرها الكوادر الإدارية التي يمثل البعض منها قناة لتمرير الصفقات المشبوهة مقابل مزايا خاصة، وفي توفير الشروط الضرورية التي تساعد على تفكيك مؤسسات القطاع العام وبيعها لرجال أعمال نافذين.
وطالما أن هذه الأحزاب لا تقدر على الفساد، ولا تستطيع تقديم خطط اقتصادية خوفا من تقاطعها مع مصالح الجهات النافذة، فإن أفضل مجال لتحركها هو الاستغراق في الحروب الثقافية والأيديولوجية، فهي ملعبها الأصلي حين كان أغلبها تيارات صغيرة بالجامعة تعيش على الشعارات. كما أن تلك المعارك لا تضر بمصالح الكبار وعلى العكس، فهي تخدمهم بأن تحول الأنظار إلى صراع المعاني والقيم الذي يغري الشارع، وخاصة جمهورية فيسبوك حيث ينام التونسيون ويصحون على معاركهم الافتراضية.
ومع تقدم الوقت نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة لأواخر العام الحالي، سيزداد العمل الممنهج على تضخيم الخلاف في القضايا الثقافية، وإن كانت مهمة لكنها ليست أهم من الملفات الحياتية للتونسيين. وسيكون جدل المساواة في الميراث محورها الأول عند الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي نجح في انتخابات 2014 في تجميع مليون امرأة من حوله بتخويف التونسيين على قيمهم المجتمعية.
وسيكون هذا المحور مثار خلافات داخل الأحزاب المتفرعة عن نداء تونس، حزب الرئيس قائد السبسي والذي يعمل على إحيائه، فالحزب الأصلي الذي ظل تحت نفوذ حافظ قائد السبسي نجل الرئيس، لم يبق له سوى إحياء معركة الهوية وإظهار حدة التناقض مع حركة النهضة الإسلامية، وهو ما سيفعله حزب “يحيا تونس” حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد.
ولن تختلف أجندة أحزاب اليسار والوسط والمجموعات الليبرالية بشأن استثمار هذا الشعار البراق، لكنها ستتعاطى معه بحذر شديد لحساسية المسألة الدينية في الشارع التونسي، وخاصة اجتذاب أصوات التيار السلفي الذي يتسع بشكل لافت في الأحياء الشعبية، ويمكن القول إنه الجهة الوحيدة التي استفادت من تراجع النهضة وارتباكها في الحكم.
لكن المفارقة أن حركة النهضة نفسها تعد العدة لاستصدار “فتوى” سياسية من مؤسساتها تجيز تمرير القانون في البرلمان إذا تم عرضه تحت يافطة المقاصد العامة في الإسلام.
ومع أن الملفات كثيرة في لعبة أدلجة الصراع السياسي، مثل المدارس والروضات القرآنية، ونفوذ الجمعيات الخيرية الذي يتسع بشكل كبير في ضوء تراجع الدولة، أو قضية الجهاز السري للنهضة، فإن الشارع التونسي لا يبدو متحمسا لانتخابات جديدة طالما أن الديمقراطية تحولت إلى لعنة جرت عليه الكثير من الأزمات، وخاصة في غياب رؤى ومقاربات لدى الأحزاب المختلفة، كبيرة وصغيرة، تجيب عن أسئلته وتطمئنه على مستقبل البلاد.
إن غياب بوصلة وطنية لدى الأحزاب، واستغراقها في لعبة إرضاء اللوبيات وطمأنة الخارج، عناصر تجعل العملية السياسية الجارية حاليا مجرد لعبة للإلهاء ودفع الناس إلى الكفر بالثورة والحنين إلى الزمن التي كانت فيه السلطة تقبض على الحكم بقوة وتحاصر خصومها، لكنها كانت تضمن للناس هامشا من الأمان وتكفّ
أيدي الفاسدين عن المجالات الحيوية في حياتهم.

 

(العرب)
 

في نفس القسم

2019/5/25 00:16
اكد الأمين العام لحركة تحيا تونس سليم العزابي في تصريح ل "الصباح نيوز" ان فكرة الاندماج فرصة لإعادة هيكلة الساحة السياسية والحد من  التشظي الحزبي بما يؤسس لمرحلة استقرار حقيقية. وقال العزابي ان  مشروع الاتفاق  سيطرح للتصويت داخل المجلس الوطني يوم غرة جوان المقبل. خليل الحناشي    
2019/5/25 00:14
قال الامين العام لحركة تحيا تونس سليم العزابي ان اندماج حزب المبادرة بحركة تحيا تونس خطوة مهمة للعائلة السياسية التي تنتمي اليها الحركة. واضاف العزابي ان الاندماج يعتبر تجسيدا لمسار توحيدي طبيعي، مشيرا ان هذا الاندماج يعتبر اولوية لحركة تحيا تونس. واضاف العزابي قائلا "رغم...
2019/5/25 00:12
وصف رئيس حزب المبادرة كمال مرجان اندماج حزبه في حركة تحيا تونس باليوم الكبير. واضاف مرجان قائلا "وهذا امل وهدف وانا سعيد جدا بهذا اليوم الذي يمثل انطلاقة جديدة للعائلة الوسطية". واضاف مرجان قائلا "هذه مسؤولية كبيرة ودورنا مازال كبيرا لتكون البلاد في الصدارة".
2019/5/25 00:11
تم منذ قليل امضاء اتفاق اندماج حزب المبادرة في حزب حركة تحيا تونس في هيكل سياسي موحد. وبموجب هذا الاتفاق فقد تم ترشيح كمال مرجان لخطة رئيس المجلس الوطني لتحيا تونس. وحسب الاتفاق فستتولى لجنة قانونية من الحزبين القيام بما يلزم لتقنين هذا التمشي. كما ينص الاتفاق على تكوين لجنة من...
2019/5/24 22:33
افادت رئيسة الاتحاد الوطني للمراة التونسية، راضية الجربي في حديث لوكالة تونس افريقيا للانباء/وات/ ان تونس ستشارك سنة 2020 ولأول مرة في "الجائزة السنوية الدولية التي تنظمها الصين حول الابتكار من اجل تحسين ظروف الحياة للنساء". وعن مشاركتها الاسبوع الفارط في فعاليات الصالون الدولي...