لما "تغتال" البيروقراطية طموحات الحالمين وتحبط المستثمرين - الصباح نيوز | Assabah News
Jul.
25
2017

تابعونا على

لما "تغتال" البيروقراطية طموحات الحالمين وتحبط المستثمرين

الجمعة 21 أفريل 2017 10:17
نسخة للطباعة

لما فكرت في بعث مشروع فلاحي بعد تخرجي من الجامعة في أواخر التسعينات لم أكن أعلم حجم “البيروقراطية” وكنت كغيري من الشبان أجهل التعقيدات الإدارية لأصطدم في كل مرة بالتعطيلات في أبسط الجزئيات، وجدت نفسي ألهث بين أروقة الإدارات وكلما أحضرت وثيقة إدارية إلا وطالبوني بأخرى “تعجيزية”، وحتى لما استكملت جميع وثائق ملفي بإدارة النهوض بالاستثمارات الفلاحية توقف كل شيء عند تقديم مطلب لتحليل “الماء والتربة”.

هي مجرد عينة لما حصل لآلاف الملفات التي مازالت إلى حد اليوم “نائمة” “هانئة” في رفوف إداراتنا “العصرية”، لاسيما أني لم أتلق أي رد بعد عقدين كاملين من الزمن وكأن هدفهم “اغتيال” طموحات الحالمين باستهتارهم ولا مبالاتهم ورداءة خدماتهم،الآلاف كانوا يتقدون حماسا وحيوية لبعث مشاريعهم وتحقيق طموحاتهم لكنهم اصطدموا بالواقع المرير في تناقض صارخ مع “تشدق” المسؤولين بالتشجيعات وتذليل العقبات ليلعنوا اليوم الذي فكروا فيه في بعث مشاريع .

اليوم مرت عشرون سنة “بالتمام والكمال”، سقط نظام بن علي، تعاقبت 8 حكومات، تغيرت “التشكيلات” الوزارية، تتالت التعيينات التي مست المسؤولين والإطارات، ولا شيء تغير في نسق الإدارة التونسية التي مازالت تسير على نفس “الإيقاع” الروتيني، نفس البطء “السلحفاتي”، نفس العقلية المتكلسة، نفس الأساليب المهترئة، نفس الأمراض “المزمنة”، نفس اللامبالاة المقيتة، بل أن الفساد نخرها أكثر بعد 14 جانفي وتغلغل داخل مفاصلها، رشوة ومحسوبية ومختلف أشكال الانتهازية.

إذا كان هذا حال الحالمين ببعث المشاريع الذين “قتلوا” بداخلهم روح المبادرة وتراجع الكثير منهم عن مشاريعهم في الخطوات الأخيرة بسبب التعقيدات الإدارية المرهقة التي تصل إلى 18 شهرا، في وقت أكدت تقارير البنك العالمي قدرة التونسي على انجاز مشروعه بعد يوم واحد من تقدمه بمطلبه، فان وضع المستثمرين التونسيين أكثر تعقيدا في ظل التشدد في الإجراءات وكثرة العقبات، منهم من تعطل لسنوات، منهم من اهترأت تجهيزاته وتآكلت ولم يسند له ترخيص..منهم من واجه شروطا تعجيزية، منهم بكى قهرا، ومنهم من أقدم على الانتحار.

في ظل هذه التعقيدات التي أجهضت أحلام آلاف الباعثين وكبلت مئات المستثمرين رغم الحديث عن الحوافز والتشجيعات وتبسيط الإجراءات، عادت بي الذاكرة إلى زيارتي للصين في أوت الماضي حيث أمكن لي الاطلاع على التسهيلات التي تمنح للباعثين الشبان هناك، تجولنا بشارع “الأعمال” ببيكين أين تتجمع كل المؤسسات العمومية المتعلقة بالمشاريع والاستثمار، فضاء الباعثين هناك يشمل في طابق واحد مكاتب للتراخيص والتمويلات والأداءات وفروع للصناديق الاجتماعية، وباختصار أن الباعث في الصين يدخل بفكرة فقط ليخرج في ظرف ساعات معدودة بمشروعه وما يقتضيه من تراخيص وتمويلات. 

اطلاعي على التجربة الصينية في بعث المشاريع أشعرني فعلا بالإحباط باعتبار أن الحديث عن تبسيط الإجراءات الإدارية في تونس مازال مجرد شعارات يرفعها كبار المسؤولين في خطاباتهم ولا وجود لها على ارض الواقع، لننطلق مثلا من مشكل الأراضي الاشتراكية الذي يهم 17 ولاية من الجمهورية ومثل عائقا أمام الآلاف من الراغبين في بعث المشاريع الفلاحية، التقيت وزير أملاك الدولة سليم بن حميدان بمكتبه سنة 2012 وأكد لي أن هذا المشكل في طريقه إلى الحل لكنه غادر الوزارة دون فض هذا الإشكال، بعد 3 سنوات أي سنة 2015 التقيت بخلفه حاتم العشي بنفس المكتب وعند طرح نفس الموضوع شدد على حرصه حل هذه المعضلة لدورها في دفع التنمية لكن لم تتم المصادقة على هذا المشروع  إلا بعد عام أي سنة 2016، وهو ما يعني أن نسق الإصلاحات في تونس “سلحفاتيا”.

أن تعترف كاتبة الدولة للتشغيل والتكوين المهني سيدة الونيسي بان 80 % من المشاريع المقدمة تتعطل بسبب الإجراءات الإدارية وضعف التشجيعات الجبائية فذلك يعكس بالضرورة غياب الإرادة السياسية في محاربة البيروقراطية في المؤسسات والإدارات التونسية التي كانت محل انتقادات واسعة من التونسيين وحتى الأجانب، وان يعتبر وزير الوظيفة العمومية والحوكمة السابق عبيد البريكي أن الإدارة التونسية بوضعها الحالي ليست بعنصر مساعد على تحقيق الأهداف التنموية فهذا دليل آخر على استفحال المعضلة التي أثبتتها مختلف الدراسات وأكدتها الإحصائيات.

هذا الوضع المتردي وسوء التصرف والفساد داخل الإدارات التونسية بات يقتضي أكثر من أي وقت مضى الإسراع بالإصلاح الإداري باعتبار أن تأكيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في حواره التلفزي الأخير أن الدولة تواجه مافيات فساد في كل مكان من أركان الدولة مع اعترافه بوجود فاسدين في الإدارة التونسية يدعوه بالضرورة إلى منح الأولوية لمعالجة هذا الملف لان تأجيل حسمه من شأنه تأزيم الوضع أكثر داخل البلاد.

ولا يمكن في الواقع محاربة البيروقراطية بعيدا عن تبسيط الإجراءات الإدارية بصفة فعلية بما يحفز على المبادرة الخاصة ويدفع التنمية في الجهات المهمشة والمحرومة التي كثيرا ما مثلت التعقيدات الإدارية أحد أهم العوائق أمام  النهوض بها وتطويرها وتغيير صورتها.

من البديهي انه لا نجاح لأي إصلاح مهما كانت صيغه وخطواته دون تطبيق القانون مهما كانت المبررات وحكومة الشاهد يجب أن تكون حاسمة وحازمة في هذه النقطة بالذات لان “الرخاوة” قد تؤدي إلى مزيد التطاول على الدولة في وقت يمثل تحسين مناخ الأعمال شرطا أساسيا للتنمية لاسيما بعد تراجع مؤشره في 2016 إلى 58.7 نقطة وفق ما كشفته نتائج المسح السنوي حول مناخ الأعمال في البلاد، فلا استثمار في ظل حالة الفوضى و”الانفلاتات” ولا نجاح للمبادرات الخاصة في الأجواء المشحونة والاحتقان .

مهما كانت التباينات بين مختلف الحساسيات فان الجميع على يقين أن البيروقراطية باتت كابوسا مزعجا يلاحق التونسيين وحتى الأجانب وعلى مختلف الأطراف محاربتها لان كل تأخير في مواجهتها سيزيد في “وهن” البلاد ويعمق أزماتها.. فمتى تعلن الحكومة الحرب على البيروقراطية مثلما أعلنتها على الإرهاب والفساد لأنها لا تقلّ عنهما خطورة ؟

بقلم: محمد صالح الربعاوي

الصباح بتاريخ 21 افريل 2017

في نفس القسم

2017/7/25 18:04
دعت حركة النهضة إلى التسريع باستكمال بناء المؤسسات والهيئات الدستورية تفعيلا للدستور وحماية للمسار وتثبيتا لأسس الجمهورية الثانية. وفي بيان تحصلت "الصباح نيوز" على نسخة منه هنأت الحركة التونسيين والتونسيات بهذه الذكرى المجيدة التي تعتبر إحدى أهم منارات تاريخ تونس المعاصر ،...
2017/7/25 17:55
شدد النائب بمجلس نواب الشعب عن كتلة الجبهة الشعبية منجي الرحوي في ميدي شو باذاعة موزاييك اليوم الثلاثاء 25 جويلية 2017 على أن التحالف بين النهضة ونداء تونس لا يمكن أن يؤدي إلى الكشف عن حقيقة الاغتيالات السياسية لأن الطرفين يعملان بمنطق "التوافق على التغطية على أفعالهم" على حد...
2017/7/25 17:34
قال رضا بالحاج، رئيس الهيئة التأسيسية لحركة" تونس أولا" إن حزب نداء تونس انحرف بعد انتخابات 2014 عن مساره وأصبح تحت إمرة حركة النهضة. وأضاف في مداخلة له اليوم في برنامج "بوليتيكا" باذاعة جوهرة أن ما تبقى من النداء انصهر في مشروع حركة النهضة وتخلى عن توجّهاته ودفاعه عن المشروع...
2017/7/25 17:14
أكّد رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي خلال حضوره في برنامج “شاهد على العصر” الذي تبثه قناة الجزيرة أنّ الأمن ''اختفى وكأنّه تبخّر'' والجيش رفض تنفيذ الأوامر عند مهاجمة السفارة الأمريكيّة في تونس يوم 14 سبتمبر 2012. وكشف المرزوقي في "شهادته على العصر" ان الحكومة لم تجهّز...
2017/7/25 16:17
تم اختيار تونس كضيف شرف في الدورة الخامسة لمهرجان شفشاون الدولي للتصوير الفوتوغرافي بالمغرب التي ستلتئم من 15 إلى 17 سبتمبر 2017 تحت شعار "عيون الأمل"، وفق ما أفاد به (وات) عمر عبادة حرزالله رئيس فرع تونس للمصورين العرب. وستشارك تونس خلال هذا المهرجان الدولي، الذي تنظمه شاون أون...